«كيف حالك؟».. سؤال لم يعد يُقَابل بإجابة مطمئنة، أو حديث عابر عن تفاصيل الحياة اليومية، بل بإجابة سريعة ومتشابهة: «مشغول جداً»؛ كأن الانشغال الدائم تحول إلى وسام اجتماعي، يعلقه الأفراد على صدورهم؛ لإثبات أهميتهم، وقيمتهم المهنية.

وفي زمن تتسارع به وتيرة الحياة، وتختلط فيه الحدود بين العمل والحياة الشخصية، لم يعد الوقت الفارغ رفاهية، بل أصبح شيئاً يثير الاستغراب أحياناً. ومع صعود ثقافة «الإنجاز المستمر»، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، التي تحتفي بالإنتاجية والنجاحات المهنية، ترسخت صورة ذهنية تربط بين الانشغال والنجاح؛ فكلما ازدحمت المواعيد، وطالت ساعات العمل، بدا الشخص أكثر تأثيراً وطموحاً في نظر الآخرين. لكن خلف هذه الصورة البراقة تبرز تساؤلات مهمة، منها: هل الانشغال، فعلاً، دليل على النجاح؟

  • رغم آثاره النفسية.. هل الانشغال المستمر رمز للنجاح؟

من الرفاهية إلى الانشغال.. كيف تغيرت رموز المكانة الاجتماعية؟

على مدار قرون، كان امتلاك وقت الفراغ مؤشراً واضحاً إلى الثراء، والمكانة الاجتماعية المرتفعة؛ حيث إن الأثرياء كانوا يُبرزون مكانتهم من خلال قدرتهم على الاستمتاع بالعطلات الطويلة، والأنشطة الترفيهية. بينما ارتبط العمل الشاق بالطبقات الأقل حظاً، إلا أن هذا المفهوم شهد تحولاً جذرياً، خلال العقود الأخيرة.

وتشير دراسات اجتماعية حديثة إلى أن المجتمعات المعاصرة، خصوصاً في الاقتصادات المتقدمة، بدأت تنظر إلى الانشغال المفرط كدليل على الأهمية، والكفاءة، والطموح؛ وأصبح الشخص الذي يكرر الحديث عن ضغط العمل، وازدحام جدول أعماله يُنظر إليه باعتباره مطلوباً، وناجحاً، ومؤثراً، حتى لو لم يكن هذا الانشغال يعكس إنتاجية حقيقية.

وسائل التواصل الاجتماعي.. وتجميل ثقافة الإرهاق:

ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز هذه الظاهرة بشكل كبير؛ إذ إن صور الاجتماعات المتلاحقة، والحديث عن العمل لساعات متأخرة، ومنشورات «الاستيقاظ في الخامسة صباحاً»، تحولت إلى محتوى جاذب، يحصد الإعجاب، والتفاعل. ومع الوقت، أصبح كثيرون يشعرون بأن عليهم إظهار انشغالهم المستمر؛ للحفاظ على صورتهم المهنية، والاجتماعية.

وتحذر تقارير عالمية من أن هذه الثقافة تصنع توقعات غير واقعية حول النجاح؛ إذ يتم التركيز على لحظات الإنجاز، والعمل المكثف، بينما تُخفى الجوانب المرتبطة بالإجهاد، والقلق، وفقدان التوازن، والنتيجة أن الأفراد يدخلون في سباق دائم مع أنفسهم، ومع الآخرين؛ لإثبات أنهم يعملون، وينجزون، أكثر.

الإرهاق يتحول إلى «شارة شرف»:

من أخطر التحولات الثقافية الحديثة، أن الإرهاق لم يعد يُنظر إليه كمشكلة تستدعي العلاج أو الراحة، بل أصبح في بعض البيئات المهنية علامة على الالتزام والجدية؛ فالتباهي بقلة النوم، والعمل خلال العطلات، وعدم الحصول على إجازات كافية، باتت جزءاً من الخطاب اليومي، لدى كثير من الموظفين، ورواد الأعمال.

غير أن خبراء الصحة النفسية يؤكدون أن هذا التصور مضلل؛ لأن الإرهاق المزمن لا يعكس قوة أو نجاحاً بقدر ما يكشف عن اختلال حاد في التوازن، بين متطلبات العمل، واحتياجات الإنسان الأساسية.

  • رغم آثاره النفسية.. هل الانشغال المستمر رمز للنجاح؟

الثمن النفسي للانشغال المستمر:

رغم المكاسب المهنية، التي قد يحققها البعض من خلال العمل المكثف، إلا أن الثمن النفسي غالباً يكون مرتفعاً؛ فالتعرض المستمر للضغوط دون فترات كافية للتعافي يؤدي إلى ما يُعرف بـ«الاحتراق الوظيفي»، وهي حالة من الاستنزاف الجسدي والعاطفي تؤثر سلباً في القدرة على التركيز، والإبداع، واتخاذ القرار.

كما ترتبط هذه الحالة بزيادة مستويات القلق، والتوتر، واضطرابات النوم، والشعور المزمن بالتعب. وفي كثير من الأحيان، يمتد تأثيرها إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية؛ حيث يجد الفرد نفسه حاضراً جسدياً، لكنه غائب ذهنياً بسبب الانشغال المستمر بمسؤوليات العمل.

نحو تعريف جديد للنجاح:

في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر دعوات متزايدة لإعادة النظر في مفهوم النجاح السائد؛ وبدلاً من اعتبار الانشغال الدائم دليلاً على القيمة الشخصية أو المهنية، يدعو خبراء الصحة النفسية إلى تبني معايير أكثر توازناً، تشمل: جودة الحياة، والصحة النفسية، والقدرة على الاستمتاع بالوقت خارج إطار العمل.

وهذا التوجه الجديد لا يقلل من أهمية الطموح أو الإنجاز، بل يسعى إلى بناء علاقة أكثر صحة مع العمل؛ حيث إن الفرد الناجح ليس بالضرورة الأكثر انشغالاً، وإنما الأكثر قدرة على تحقيق أهدافه، دون أن يدفع صحته النفسية، وعلاقاته الإنسانية، ثمناً لذلك.