مع التقدم في العمر، تلاحظ كثيرات من النساء أن التجمعات الاجتماعية لم تعد كافية؛ لتمنح الشعور بالحماسة، الذي كان يرافقهن في سنوات الشباب، فبعد ساعات قليلة من حضور مناسبة عائلية، أو لقاء مع الأصدقاء، قد تشعر المرأة برغبة ملحة في العودة إلى المنزل، والجلوس في هدوء، أو حتى قضاء يوم كامل بمفردها؛ لاستعادة طاقتها.
-
«الإرهاق الاجتماعي» عند النساء.. هل يزداد مع التقدم في العمر؟
وهذه الحالة ليست إصابة بالاكتئاب، أو الانعزال، بل قد تكون مؤشراً إلى ما يُعرف بـ«الإرهاق الاجتماعي»، وهي ظاهرة ازداد الحديث عنها في السنوات الأخيرة مع تزايد الاهتمام بالصحة النفسية، وجودة الحياة.
ما «الإرهاق الاجتماعي»؟
«الإرهاق الاجتماعي» هو حالة من الاستنزاف النفسي والجسدي، تنتج عن كثرة التفاعلات الاجتماعية، أو الضغط المستمر؛ للحفاظ على العلاقات، والالتزامات الاجتماعية، وقد يظهر في صورة رغبة في العزلة المؤقتة، أو الشعور بالتعب بعد المناسبات، أو انخفاض القدرة على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية المتكررة. ويختلف هذا «الإرهاق» من شخص إلى آخر، لكنه يكون أكثر وضوحاً لدى الذين يبذلون مجهوداً كبيراً في التواصل، أو الذين يميلون إلى مراعاة مشاعر الآخرين باستمرار.
لماذا يزداد عند النساء مع التقدم في العمر؟
هناك مجموعة من العوامل النفسية، والبيولوجية، والاجتماعية، تجعل النساء أكثر عرضة لـ«الإرهاق الاجتماعي» في المراحل العمرية المتقدمة:
تراكم المسؤوليات اليومية:
في منتصف العمر، تتحمل كثيرات من النساء مسؤوليات متعددة في الوقت نفسه، مثل: العمل، ورعاية الأبناء، والاهتمام بالوالدين المسنين، وإدارة شؤون المنزل، ويجعل هذا التراكم أي نشاط اجتماعي إضافي يبدو كأنه مهمة جديدة تحتاج إلى طاقة وجهد. فحتى اللقاءات الممتعة قد تتحول إلى مصدر ضغط؛ إذا شعرت المرأة بأنها مطالبة بالتخطيط لها، أو المشاركة فيها، رغم شعورها بالإجهاد.
التغيرات الهرمونية:
تؤثر الهرمونات، بشكل واضح، على الحالة النفسية، ومستويات الطاقة، خصوصاً في فترة ما قبل انقطاع الطمث وبعده.
وقد تصل هذه التغيرات إلى قلة جودة النوم، وعدم القدرة على التركيز، وعدم القدرة على تحمل الضغوط النفسية، وتأثير مباشر على المزاج العام. وعندما يقل النوم الجيد، أو تزداد التقلبات المزاجية، تصبح التفاعلات الاجتماعية أكثر استنزافاً، مما كانت عليه في السابق.
-
«الإرهاق الاجتماعي» عند النساء.. هل يزداد مع التقدم في العمر؟
تغير الأولويات مع النضج:
ومع التقدم في العمر، تصبح المرأة أكثر وعياً بقيمة وقتها وطاقتها، لذلك تميل إلى تقليل العلاقات السطحية، والتركيز على الأشخاص المقربين فقط. ويشير علماء النفس إلى أن هذا التغير يعد جزءاً طبيعياً من النضج، إذ يصبح الهدف من العلاقات هو الجودة وليس العدد، لذلك قد تفضل المرأة لقاءً هادئاً مع صديقة مقربة، بدلاً من حضور مناسبة تضم عشرات الأشخاص.
ارتفاع الحساسية تجاه الضغوط:
وبعد سنوات طويلة من مواجهة تحديات الحياة والعمل والأسرة، تصبح القدرة على تحمل الضوضاء، والزحام، والمحادثات الطويلة، أقل لدى بعض النساء، حيث يحتاج العقل إلى فترات أطول من الراحة لاستعادة نشاطه، ما يفسر الشعور بالتعب بعد المناسبات الاجتماعية، حتى إن كانت ممتعة.
الضغوط النفسية المتراكمة:
تمر النساء، في منتصف العمر، بتحولات كبيرة، مثل: استقلال الأبناء، أو تغير طبيعة الحياة الزوجية، أو خسارة أحد الوالدين، أو ضغوط العمل. وقد تزيد هذه الأحداث العبء النفسي، ما يجعل الطاقة المتاحة للتواصل الاجتماعي أقل من السابق.
هل «الإرهاق الاجتماعي» علامة على الانطواء؟
ليس شرطاً أن يكون «الإرهاق» علامة على انطواء الشخصية، لأن المرأة الاجتماعية بطبيعتها قد تعاني أيضاً «الإرهاق الاجتماعي»؛ لأن المشكلة ليست في حب الآخرين، وإنما في كمية الطاقة التي يستهلكها التفاعل معهم. كما أن الأشخاص المنفتحين قد يحتاجون إلى وقت للراحة بعد المناسبات الكبيرة، بينما يحتاج الانطوائيون، عادة، إلى فترة أطول لاستعادة نشاطهم.
-
«الإرهاق الاجتماعي» عند النساء.. هل يزداد مع التقدم في العمر؟
متى يصبح الأمر مقلقاً؟
في معظم الحالات، يعد «الإرهاق الاجتماعي» استجابة طبيعية للضغوط اليومية، لكنه قد يستدعي استشارة مختص؛ إذا صاحبته علامات، مثل: فقدان الرغبة في التواصل مع الجميع لفترات طويلة، أو الحزن المستمر، أو فقدان المتعة في الأنشطة المعتادة، أو اضطرابات النوم المزمنة، أو القلق الشديد قبل أي مناسبة اجتماعية، أو تأثير واضح في العمل، أو العلاقات الأسرية.
وهذه الأعراض قد ترتبط باضطرابات، مثل: الاكتئاب، أو القلق الاجتماعي، وليس مجرد إرهاق عابر.
كيف يمكن تخفيف «الإرهاق الاجتماعي»؟
يمكن للمرأة الحفاظ على توازنها النفسي، من خلال مجموعة من العادات البسيطة، منها:
- عدم الشعور بالذنب عند رفض بعض الدعوات الاجتماعية.
- تخصيص وقت يومي للهدوء، أو ممارسة التأمل، أو القراءة.
- الحصول على قسط كافٍ من النوم.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام، لما له من دور في تحسين المزاج، والطاقة.
- اختيار المناسبات والعلاقات، التي تضيف قيمة حقيقية للحياة، بدلاً من المشاركة بدافع المجاملة فقط.
- وضع حدود صحية تمنع استنزاف الوقت، والطاقة.