يا لها من فكرة!.. بلغني أيها الملك العنيد، ذو القلب البعيد، أن رجلاً يابانياً اشتاق إلى قريبه الميت؛ فأنشأ «كابينة هاتف» في بستان يشبه حديقة كانا يلعبان بها صغيرَيْن.. «كابينة» بيضاء بلون الماضي الذي جمعهما!.. بلون الوفاء الذي بقي بينهما!.. وربما بلون الغد الذي صار خالياً من لون ودٍّ سيعيش يفتقده!.. «الكابينة» كانت تحوي هاتفاً قديماً أسود دون أسلاك.. كان يرفع سماعته، ويكلم فقيده.. يحكي له كلَّ ما صار عاجزاً عن الكلام عنه مع سواه.. يقول، ويقول؛ حتى يفرغ القلب السقيم أوجاعه، وهو يظن أن الريح ستحمل صوته إلى الغائب الحاضر؛ فيعيد السماعة مكانها، وهو يُمني نفسه بعودة قريبة.. متى احتاج إلى المزيد من البَوْح!
العجيب، يا سيدي، أن زلزال «تسونامي» ضرب البلد بعدها بأيام؛ ليموت الآلاف، وتحترق بفراقهم القلوب؛ فيجد الرجل نفسه يفتح كابينته البيضاء ذات الهاتف الأسود للعابرين.. يفشي سر الريح، التي تنقل صوتهم إلى الغائبين.. ويُمنيهم بلقاء من نوع آخر عبر كل هذا البُعد.. يخترق حجب الفراق، ويكشف الستار عن فواجع القلوب!
كلما مررت على تلك الحكاية؛ يتخبط قلبي بين ضلوعي، وأنا أفكر: كم جملةً حملتها الريح عبر هاتف بلا أسلاك؟!.. كم «أحبك» بقيت تتوهج، وقد ظنوا أنها بهتت بعد طول الفراق؟!.. كم «أفتقدك» بقيت حادة الحواف، تمزق كلَّ ثوبِ فرحةٍ ترتديه الروح، وتطفئ كل شموع العوض، التي يشعلونها فوق «كعكات الاحتفال»؟!.. وكم «أعتذر» بقيت بلا مذاق، وبلا قيمة، كنجم يهوي محترقاً في سماء بلا قمر؟!
بلغني أيها الملك العنيد، ذو القلب البعيد، أن أناساً صنعوا لغة أخرى للحب عبر الفراق، وتحدوا كل قوانين الطبيعة؛ عندما أغمضوا أعينهم، وأطلقوا العنان لقلوبهم؛ لتحلق مع الريح نحو عالم لا يعترف بمنطق، ولا يخضع لعقل، ولا يعرف حين تتصارع حروف الأبجدية إلا نجاةً في «حاء».. و«باء»!
لو كان بيدي أن أمسك سماعة هاتف، كهذا؛ فأكلمك عبر الريح.. لن أقول: «أنا بخير!».. فلن تصدقني، وإن كذبت!.. لن أقول: «كن بخير!».. أي خير؟!، وكل جيوب قلبك بعدي مثقوبة!.. بل سأقول: «ليتنا نكون بخير!»، وأنا أوقن أنك ستسمعها: «لن نكون بخير إلا معاً!».. حينها فقط سأعيد تلاوة الحكاية، هكذا:
«بلغني أيها الملك السعيد، ذو القلب القريب، أن الريح لم تعرف مَنْ رفع سماعة الهاتف أولاً.. لكنها أوصلت النداء نفسه بين قلبين أنهكهما الانتظار.. سميتك (الرفيق)، رغم طول الفراق.. وبين (رفقة)، و(فرقة).. تظل أنت قدري الأجمل!».