ميثاء عبدالله: أعمالي تشكل نظرتي إلى نفسي والعالم
رئيسة التحرير: نسرين فاخر/ مديرة التحرير: لبنى النعيمي
كانت هناك طفلة تراقب العالم بصمت، قبل أن تعرف أن ما تفعله سيصبح، يوماً ما، مشروعاً فنياً. تلك الطفلة هي ميثاء عبدالله، الفنانة الإماراتية، التي تختصر بداياتها بقولها: «الفنانة لم تكن موجودةً.. لكن المراقِبة كانت حاضرة». فمن الوجوه، والصمت، والحكايات التي تناقلتها الذاكرة الشعبية، نسجت ميثاء عبدالله علاقتها الأولى بالعالم، قبل أن تجد في الفن لغة منحت تلك المراقبة شكلاً، ومعنى. ومن الرسم إلى الأداء، والنحت، وصولاً إلى البحث في الأساطير، والمعتقدات الشعبية، كرّست الفنانة الإماراتية حضورها كأحد أبرز الأصوات الفنية المعاصرة، من خلال مشاركتها في «بينالي الشارقة»، وإقامة معارض فردية في أبوظبي ودبي ولندن، إلى جانب اقتناء أعمالها ضمن مجموعات فنية عالمية، فهي نموذج لفنانة إماراتية بنت تجربة معاصرة، تنطلق من خصوصية المكان، وتخاطب العالم بلغة الفن.. وفي عدد أغسطس، تتصدر ميثاء عبدالله الغلاف، متزينة بإبداعات دار «كارتييه»، دار المجوهرات الفرنسية الراقية؛ وتفتح لنا أبواب عالمها، وتتأمل البدايات، والذاكرة، والأسئلة التي لا تزال تقود رحلتها الإبداعية.
-
من اليسار إلى اليمين:
أقراط «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر الأونيكس. / عقد «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر الأونيكس. / عقد «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر العقيق المصبوغ باللون الأحمر. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY). / بليزر من «Loro Piana» / وتوب من «Bouguessa».
بدايةً.. كيف تشكلت لغتك البصرية، خلال مسيرتك الفنية هذه؟
في عالمي، لا يقود الفن المتلقي إلى ما يراه، بل إلى ما يشعر به؛ فالإنسان في أعمالي ليس بطلاً للمشهد، بل حامل لذاكرة تتوارثها الأجيال، وحكايات نسجها الموروث الشعبي، قبل أن أجد طريقي إلى اللوحة، أو المنحوتة. ومن هذا التقاطع بين الفن والبحث، تشكلت لغتي البصرية؛ فيغدو كل عمل رحلة مفتوحة؛ لاكتشاف التجربة الإنسانية، أكثر من كونه محاولة لتفسيرها.
سؤال يقود الطريق
تقولين دائماً: «بالنسبة لي، الفن ليس وسيلة للتعبير فقط، بل طريقة لفهم العالم».. ما أول سؤال قادك إلى هذا الطريق؟
لم أدخل الفن؛ لأن لديَّ شيئاً أريد قوله، بل لأنني كنت أعيش وسط أشياء لم أفهمها؛ فقد كنت أتساءل: كيف تتحول الحكاية إلى خوف؟!.. وكيف يصبح الخوف جزءاً من شخصية الإنسان؟!.. ولماذا نكرر أفعالاً، لا نعرف من أين جاءت؟!.. من وقتها، لم يكن أي عمل أنجزه محاولة للتعبير عن نفسي، بقدر ما كان محاولة لفهم الإنسان، وأحياناً أشعر بأنني لا أرسم الأشخاص، بل أرسم ما يسكنهم.
-
من اليسار إلى اليمين:
أقراط «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر الأونيكس. / عقد «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر الأونيكس. / سوار «LOVE Unlimited»، من الذهب الأبيض. / سوار «LOVE Unlimited» من الذهب الأصفر. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY). / ساعة «Tortue de Cartier»، من الذهب الوردي، والألماس.. من «ساعات كارتييه» (CARTIER WATCH). / فستان من «Nafsika»، لدى «Harvey Nicols - Dubai».
بالعودة إلى طفولتك.. هل كانت الفنانة بداخلك موجودة منذ البداية، أم أنها تشكلت مع التجربة؟
الفنانة لم تكن موجودة، لكن المراقِبة كانت حاضرة؛ فقد كنت أراقب أكثر مما أتكلم: الوجوه، والصمت، والبيوت، وحتى الطريقة التي يتحرك بها الناس؛ عندما يظنون أنَّ لا أحد يراهم. كنت أشعر، دائماً، بأن ما يختبئ خلف المشهد أكثر أهمية من المشهد نفسه، ولم أكن أدرك أن ذلك سيقودني يوماً ما إلى الفن. وحين وجدته، أدركت أنه لم يكن سوى لغة منحت تلك المراقبة حياة، وفتحت أمامي مساحة لأواصل طرح الأسئلة، التي بدأت منذ الطفولة.
-
من اليسار إلى اليمين:
سوار «LOVE Colors»، من الذهب الأبيض، مرصع بالياقوت الملون، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / سوار «LOVE Colors»، من الذهب الوردي، مرصع بالياقوت الملون، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / كلاهما من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY).
في بدايات رحلتك الفنية، ما الذي كان يمنحك الدافع للاستمرار، والعودة إلى المرسم؟
ربما يبدو الجواب غير متوقع، فلا أعتقد أن الثقة هي التي كانت تقودني؛ فقد كان الشك رفيقي منذ البداية، وكلما راودني سؤال، أو التبس عليّ شيء؛ كنت أذهب إلى المرسم، لا لأجد الإجابة، بل لأمنح نفسي مساحة للتأمل. بالنسبة لي، كان الفن المكان الوحيد، الذي أستطيع فيه أن أعيش مع الأسئلة، من دون أن أكون مطالبة بحسمها، أو تفسيرها. وربما لهذا السبب، لم يكن الشك عائقاً في رحلتي، بل كان دائماً نقطة البداية.
ما أكثر ما يفاجئك في الإنسان؛ كلما تعمقتِ فيه، وفي ما يختبئ خلف ملامحه، وتجربته؟
لديَّ، لا يشبه الإنسان نفسه تماماً؛ فما نراه على السطح ليس سوى طبقة أخيرة، بينما تتشكل أعماقنا من ذكريات لم نعشها، وحكايات ورثناها، ومخاوف انتقلت إلينا قبل أن ندرك وجودها. لذلك، لا يشغلني ما يكشفه الإنسان عن نفسه، بقدر ما يشغلني ما يحمله بداخله دون أن يعرف. وربما لهذا لا أتوقف عن العودة إليه؛ لأنه كلما بدا مألوفاً، اكتشفت أنه أكثر غموضاً.
-
حقيبة «Panthère C de Cartier»، من «منتجات كارتييه الجلدية» (CARTIER LEATHER GOODS).
هل تخشين أن يفسر الجمهور أعمالك بطريقة مختلفة، تماماً، عما تقصدينه؟
إذا قرأ الجميع العمل بالطريقة نفسها؛ فسيفقد العمل شيئاً من روحه؛ لأن الفن لا يقدم إجابة واحدة، أو معنى نهائياً، بل يفتح مساحة يلتقي فيها عالمي بعالم المتلقي؛ لذلك أحب أن يحمل كل شخص من العمل ما يخصه، لا ما قصدته.
متى يصبح العمل الفني صادقاً عندكِ؟
عندما يتجاوز الشكل، ويصبح قادراً على كشف حقيقة داخلية، حتى لو كانت مربكة، أو غير مريحة؛ فصدق العمل لا يكمن في جماله، بل في قدرته على مفاجأة صاحبه، قبل أن يفاجئ المتلقي.
سوار «LOVE Unlimited»، من الذهب الأصفر. / سوار «LOVE Unlimited»، من الذهب الأبيض. / كلاهما من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY).
كشف جديد
هل سبق أن أنجزتِ عملاً شعرتِ، بعد انتهائه، بأنه كشف لك شيئاً جديداً عن نفسك؟
دائماً يحدث هذا؛ فأدخل كل عمل وأنا أظن أنني أعرف إلى أين أمضي، لكنني أكتشف، في نهايته، أنه هو الذي أعاد تشكيل الطريقة، التي أنظر بها إلى نفسي، وإلى العالم. لذلك، لا أحب أن أفسر أعمالي كثيراً، لأنها لا تمثل لي نهاية الفكرة، بل بداية فهم جديد لها.
اليوم.. كيف ترين المشهد الفني الإماراتي؟
أراه يعيش مرحلة نضج مهمة؛ فلم يعد همّ الفنان الإماراتي أن يثبت وجوده، بل أن يقدّم إضافة حقيقية إلى المشهد العالمي. وأعتقد أن هذا التحول هو الأهم؛ لأنه ينقلنا من البحث عن الاعتراف، إلى التفكير في الأثر، الذي يمكن أن نتركه، وبدأنا نسأل: ما الذي يمكن أن نضيفه؟.. وهذا هو السؤال الحقيقي بالنسبة لي.
-
سوار «LOVE Unlimited»، من الذهب الأبيض. / خاتم «LOVE Unlimited»، من الذهب الأبيض. / خاتم «LOVE Unlimited»، من الذهب الأصفر. / سوار «LOVE Unlimited»، من الذهب الأصفر. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY).
كواحدة من الفنانات الإماراتيات المبدعات.. ماذا يعني لك ذلك؟
يعني أنني جزء من حوار بصري، يتسع عاماً بعد عام، وأن لكل فنانة دوراً في إثراء هذا المشهد، بلغتها، وتجربتها الخاصة. وأكثر ما يسعدني في هذا التنوع أنه لا يصنع اختلافاً بيننا، بل يمنح الفن الإماراتي عمقاً أكبر، ويترك للأجيال القادمة ذاكرة بصرية أكثر غنى.
إذا أردتِ أن تختصري المرأة الإماراتية في لوحة؛ فماذا سنرى فيها؟
لن أرسم وجهاً، بل طبقات؛ فهي امرأة تحمل تاريخاً طويلاً، وتقف بثبات في حاضر سريع، وتحاول أن تصنع مستقبلها دون أن تفقد جذورها. أعتقد أن قوة المرأة الإماراتية تكمن في قدرتها على المضي قُدُماً، وهي تعرف تماماً من أين جاءت!
-
من اليسار إلى اليمين:
عقد «Juste Un Clou»، من الذهب الأصفر، والألماس. / سوار «LOVE»، من الذهب الأصفر، مرصع بالألماس. / سوار «LOVE Colors»، من الذهب الوردي، مرصع بأحجار الياقوت الملون، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / سوار «LOVE Colors»، من الذهب الأصفر مع الياقوت، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / سوار «LOVE Colors»، من الذهب الأبيض، والياقوت الأزرق، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY). / شيلة من «Manaal Alhammadi».
كيف ترين مكانة الفن الإماراتي على الساحة العالمية، اليوم؟
لقد أصبح الفن الإماراتي حاضراً بثقة على الساحة العالمية؛ فلم يعد حضوره مرتبطاً بكونه تجربة ناشئة، بل بما يقدمه من رؤى، ولغات بصرية متنوعة، وهذا مصدر فخر لنا جميعاً. وأعتقد أن التحدي الأهم هو أن نستمر في بناء هذا الحضور، من خلال أعمال تترك أثراً حقيقياً؛ لأن الأثر هو ما يمنح أي تجربة قيمتها، واستمرارها.
عند عرض أعمالك خارج الإمارات.. ما الفكرة التي تحرصين على أن يحملها الجمهور عن الفنان الإماراتي؟
أحرص على أن يراه الجمهور العالمي صاحبَ رؤيةٍ، وليس مجرد ممثل لمكانه الجغرافي. ورغم أن أعمالنا تنطلق من خصوصية هذا المكان، إلا أنها تتناول أسئلة، وتجارب إنسانية، يمكن أن يتفاعل معها أي شخص أينما كان؛ فقوة الفن تكمن في قدرته على أن يكون محلياً في جذوره، وعالمياً في أثره.
-
من اليسار إلى اليمين:
أقراط «Juste Un Clou»، من الذهب الأصفر، والألماس. / عقد «Juste Un Clou» من الذهب الأصفر، والألماس. / خاتم «LOVE Unlimited» من الذهب الأصفر. / خاتم «LOVE Unlimited» من الذهب الأبيض. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY). / ساعة «Tortue De Cartier» من الذهب الأصفر.. من «ساعات كارتييه» (CARTIER WATCH). / سوار «LOVE Colors»، / من الذهب الأصفر، مرصع بأحجار الياقوت الملون، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / سوار «LOVE»، من الذهب الوردي. / كلاهما من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY). / بليزر من «Ilai Sarai» / وتوب من «Bouguessa».
استمعي إلى خوفكِ
ما الذي لا يعرفه الناس عنكِ؟
ربما لا يعرفون أنني أبدأ من جديد بعد كل معرض؛ كأن ما أنجزته ليس كافياً؛ فلا يمنحني الإنجاز شعوراً بالاكتمال، بل يدفعني إلى طرح أسئلة جديدة، وربما لهذا السبب لا أخشى الشك؛ لأن اليقين هو نهاية البحث لديَّ.
لو التقيتِ «ميثاء» قبل عشر سنوات.. ما أول شيء ستقولينه لها؟
لن أقول لها: «لا تخافي!»، بل: «استمعي إلى خوفك أكثر؛ فأحياناً يكون الخوف هو الباب، الذي يقودك إلى العمل، الذي كنت تبحثين عنه!».
هل يترك الفنان أثره في أعماله، أم أن أعماله هي التي تترك أثرها فيه؟
أعتقد أن العلاقة بينهما متبادلة؛ فالفنان يخرج من العمل شخصاً آخر، فكل تجربة تغيّر الطريقة، التي أنظر بها إلى العالم؛ لهذا أشعر بأن أعمالي لا توثق حياتي فقط، بل تشارك في تشكيلها أيضاً.
-
أقراط «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، والعقيق المصبوغ باللون الأحمر. / خاتم «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر الأونيكس. / خاتم «Clash de Cartier»، من الذهب الوردي، والعقيق المصبوغ باللون الأحمر. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY).
ما السؤال، الذي لا تزالين تحاولين الإجابة عنه بالفن؟
كيف تتحول الذاكرة إلى جسد، وكيف تسكننا الأشياء التي لم نعشها بأنفسنا؟!.. هذا السؤال أخذني من اللوحة إلى الأداء، ومن الأداء إلى النحت، ومن النحت إلى السفر والبحث في الطقوس، والمعتقدات الشعبية. وكلما اعتقدت أنني اقتربت من الإجابة، اكتشفت أنني ما زلت في بداية الطريق.
في يومها.. ماذا تقولين لكل امرأة إماراتية، تحلم بترك بصمة عالمية لها؟
لا تفكري في تلك البصمة، بل في السؤال الذي يستحق أن تقضي عمرك تبحثين عنه؛ فالفنان لا يُعْرَف بما أنجزه فقط، بل بالأسئلة التي ظل وفياً لها، وإن لم يجد لها إجابة.
-
من اليسار إلى اليمين:
أقراط «Clash De Cartier»، من الذهب الوردي، وحجر الأونيكس. / سوار «Juste Un Clou»، من الذهب الأبيض، والألماس. / سوار «LOVE Colors»، من الذهب الأبيض، مرصع بالياقوت الملون، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / سوار «LOVE Colors»، من الذهب الوردي، مرصع بالياقوت الملون، والأميتست، والعقيق، وعقيق التسافوريت. / جميعها من «مجوهرات كارتييه» (CARTIER JEWELRY). / فستان من «Chats by C.Dam».