رغم رحيله المفاجئ، يوم 26 يوليو 2025، إلا أن إرث الموسيقار اللبناني الكبير، زياد الرحباني، واسمه، وآراءه، وكل ما يحيط به، لا يزال محط جدل كبير، فابن «العائلة الرحبانية»، نجل عاصي الرحباني، والسيدة فيروز، كان متفرداً في ما يقدمه من أعمال لا تزال راسخة في أذهان الناس، سواء التي قدمها عبر صوت والدته السيدة فيروز، أو أعماله الخاصة التي خرجت عن النمط التقليدي السائد، وزينت بشكلها غير المتوقع طريقاً خاصاً بزياد لا يشبهه أحد فيه، ولا يستطيع أحد الاقتراب من عبقريته الموسيقية، التي وُصفت بـ«الجنون الفني».
-
زياد الرحباني.. موسيقار سبق فنُّه زمنَه
ويعرف كل الناس أمرين عن زياد الرحباني: أنه موسيقار مبدع ومجدد في الموسيقى العربية، وأنه نجل النجمة الكبيرة فيروز، وهو من مواليد 31 ديسمبر 1955، واشتهر بموسيقاه الحديثة، وتمثيلياته السياسية الناقدة، التي تصف الواقع اللبناني الحزين بفكاهة عالية الدقة. كما تميز أسلوب زياد الرحباني بالسخرية، والعمق، في معالجة الموضوع، كما أنه يعتبر طليعياً، وصاحب مدرسة في الموسيقى العربية، والمسرح العربي المعاصر.
موهبة رحبانية استثنائية:
نشأ زياد في منزل عُرف بغزارة الإنتاج الفني، والعمل الإذاعي والمسرحي اليومي، وكان محاطاً منذ طفولته بكُتّاب وموسيقيين وممثلين، لكن بدايته الفنية لم تكن في مجال الموسيقى، بل جاءت من بوابة الأدب، إذ كتب في سن مبكرة نصوصاً شعرية بعنوان «صديقي الله»، أنجزها بين عامَيْ: 1967، و1968، في سن المراهقة، وقد لفتت هذه النصوص الانتباه إلى موهبة أدبية واعدة، كانت تُبشر بولادة شاعر متمكن، لولا أنه اختار، لاحقاً، تكريس طاقته بالكامل للموسيقى، والتأليف المسرحي.
لحن فتح أبواب الشهرة:
عام 1971، وضع زياد أول ألحانه الغنائية بعنوان «ضلّك حبيني يا لوزية»، الذي شكّل مدخله الفعلي إلى عالم التلحين، ثم جاءت اللحظة المفصلية في 1973، حين كان لا يزال في السابعة عشرة من عمره، عندما لحن أغنية لوالدته فيروز، في ظل دخول والده عاصي الرحباني إلى المستشفى، وتغيبه عن العمل الفني، حيث كانت فيروز حينها تستعد لبطولة مسرحية «المحطة»، من تأليف «الأخوين رحباني»، فكتب منصور الرحباني كلمات أغنية تعكس الغياب المفاجئ لعاصي، وأسند مهمة التلحين إلى زياد.
-
زياد الرحباني.. موسيقار سبق فنُّه زمنَه
والأغنية هي «سألوني الناس عنك يا حبيبي»، التي أدّتها فيروز ضمن المسرحية، وأحدثت صدى واسعاً فَوْر صدورها، إذ مثلت أول ظهور حقيقي لزياد كملحن ضمن أعمال العائلة الرحبانية، وشكلت هذه الأغنية بداية مرحلة جديدة في مسيرته، وأظهرت ملامح أسلوبه الخاص، المختلف عن نهج والده وعمه، وفتحت أمامه باب التعاون الموسيقي مع فيروز، الذي امتد لعقود لاحقة.
كما لاقت تلك الأغنية نجاحاً كبيراً، ودهش الجمهور للرصانة الموسيقية لابن السابعة عشرة ذاك، وقدرته على إخراج لحن يضاهي ألحان والده، ولو أنه قريب من المدرسة الرحبانية في التأليف الموسيقي.
إرث فني تجاوز الزمن:
اختار زياد، بعد وفاة والده عاصي الرحباني عام 1986، مساراً فنياً أكثر نضجاً وتجديداً، وترك بصمة لا تُنسى في عالم الموسيقى والمسرح العربي الحديث، إذ رسّخ حضوره كواحد من أبرز المجددين في المسرح اللبناني والعربي، انطلاقاً من مسرحية «بالنسبة لبكرا شو؟»، التي عُرضت عام 1978، وتُعد مرآةً للأزمة اللبنانية، وتتناول قضيتَي: الخيانة، والانتماء، بأسلوب ناقد وساخر.
وجاءت مسرحية «فيلم أميركي طويل» عام 1980، وهي الأكثر شهرة بين مسرحياته، وتدور أحداثها في مستشفى للأمراض العقلية، وتتناول بأسلوب رمزي الواقع العبثي في ظل الحرب.
وفي عام 1983، قدّم مسرحية «شي فاشل»، التي انتقدت النظام التعليمي والفساد الإداري، كما تابع خطه النقدي في «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» عام 1993، و«لولا فسحة الأمل» عام 1994، حيث واصل، عبرهما، توجيه النقد السياسي والاجتماعي بلغة ساخرة، وغير مباشرة. وتجدر الإشارة، أيضاً، إلى أن بدايات زياد المسرحية المستقلة تعود إلى أوائل السبعينيات، من خلال أعمال، مثل: «سهرية» عام 1973، و«نزل السرور» عام 1974، اللذين مهّدا لأسلوبه الفني الخاص في مزج الموسيقى بالمسرح والكوميديا السوداء.
-
زياد الرحباني.. موسيقار سبق فنُّه زمنَه
ثنائية صنعت إرثاً فنياً خالداً:
وقد ارتبط اسم زياد الرحباني بصوت والدته فيروز، خاصة بعد وفاة عاصي، حيث لحن لها مجموعة كبيرة من الأغاني، التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الفنية اللبنانية، والعربية. ومن بين هذه الأغاني: «سألوني الناس» التي كانت نقطة تحول فارقة في مسيرته، إلى جانب أغنيات شهيرة أخرى، مثل: «كيفك إنت»، و«بعتلك»، و«عودك رنان»، و«البوسطة»، و«عندي ثقة فيك»، و«ضاق خلقي»، و«سلملي عليه»، و«قديش كان في ناس»، و«يا جبل الشيخ»، و«مش كاين هيك تكون»، و«إيه في أمل»، و«اشتقتلك»، و«ولا كيف»، و«صباح ومسا». وقد أثمرت هذه الأعمال ألبومات بارزة، مثل: «كيفك إنت» (1991)، و«إيه في أمل» (2010)، و«ولا كيف» (2001)، بالإضافة إلى «وحدن» (1979)، و«فيروز في بيت الدين»، و«معرفتي فيك»، و«مش كاين هيك تكون».
وإلى جانب تعاونه مع والدته، تعاون زياد مع مجموعة من الفنانين الآخرين، وكان من أبرزهم المغني جوزيف صقر، الذي شكّل معه ثنائياً مميزاً، خاصة في ألبوم «بما إنّو»، ومجموعة من أغاني المسرحيات الشهيرة، كما لحن لبعض الفنانين، مثل: مادونا اللبنانية، ولطيفة التونسية، في عدد من الأغاني الفردية، والألبومات.
ولا يقتصر تأثير زياد الرحباني على التلحين والكتابة المسرحية، بل امتد إلى الغناء والتعبير الموسيقي بصوته الخاص، حيث قدّم مجموعة من الأغاني، التي لاقت رواجاً كبيراً، مثل: «أنا مش كافر»، و«اسمع يا رضا»، و«بما إنّو»، إلى جانب ألبومه «هدوء نسبي»، الذي يُعد تجربة استثنائية في مزج موسيقى الجاز بالطابع الشرقي، ما جعل منه علامة فارقة في الموسيقى العربية الحديثة.
رحل زياد الرحباني.. لكنه يثبت، يومياً، أنه موسيقار سبق فنه زمنه!