علياء الحمادي: استدامة المتاحف تكمن في «أنسنة التجربة»
«التعليم ليس تحضيراً للحياة، بل هو الحياة ذاتها».. مقولة تعزى إلى الفيلسوف الأميركي جون ديوي، ويتم ترديدها في كل مكان يلتقي فيه العلم بالإنسان. وفي «متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي»، تجد هذه الفلسفة تجسيدها الأكثر حيويةً في مسيرة علياء الحمادي، مدير إدارة الشراكات والشؤون التجارية بالإنابة، التي تحمل هذه القناعة في كل قرار تتخذه، وكل تجربة تصنعها. وقد بدأت الحمادي مسيرتها المهنية من «خدمات الزوار»؛ لتصل إلى قيادة أحد أكثر المشاريع الثقافية طموحاً في المنطقة، مؤمنةً بأن فهم الماضي هو الطريق الأمثل لبناء المستقبل.. وفي هذا الحوار، تأخذنا علياء الحمادي في رحلة بين مليارات السنين، وحاضر أبوظبي الثقافي.
-
علياء الحمادي: استدامة المتاحف تكمن في «أنسنة التجربة»
ما الذي أدهشكِ في «متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي»، يوم دخلته لأول مرة؟
إنني لا أعتبر المتاحف أماكن لحفظ المقتنيات فقط، بل منصات لصناعة الوعي، وبناء جسور بين الإنسان وتاريخه. وما أدهشني، حقاً، هو أن هذا المكان يجمع عمر الكون كله تحت سقف واحد، في رحلة تمتد إلى 13.8 مليار سنة، من نشأة الكون، إلى التاريخ الطبيعي لشبه الجزيرة العربية. وحين علمت أن أرضنا كانت، قبل ملايين السنين، بيئة خضراء مملوءة بالأنهار، والحياة البرية، تغيرت نظرتي تماماً. و«المتحف» لا ينتهي عند حدود معروضاته، بل يبدأ عند لحظة إدراك الزائر أنه جزء من قصة أوسع. فنحن نروي قصة الكون من أبوظبي، ونبني جسوراً بين العلم، والهوية، للأجيال القادمة.
بداية ميدانية
بدأتِ من «خدمات الزوار»، واليوم تقودين «الشراكات التجارية».. كيف ساهمت تلك البداية الميدانية في تشكيل رؤيتكِ اليوم؟
الاحتكاك المباشر مع الزوار منحني الحقيقة الأهم، أن الناس لا يبحثون عن معلومات، بقدر بحثهم عن تجربة تمسهم شخصياً. ومن هذا المنطلق، تركزت استراتيجياتنا على تحويل «المتحف» إلى مساحة للعودة المتكررة، وليس لزيارة واحدة. واليوم، تمتد التجربة من لحظة دخول الزائر حتى خروجه، مروراً بالمعارض، والمقهى، والمتجر، والممشى. ومن خلال برامج العافية كاليوغا، وورش العمل التعليمية، والبرامج العائلية، نرسّخ مكانته مساحةً نابضةً بالحياة، تدعم التعلم المستمر، وتعزز جودة الحياة.
تحملين درجة الماجستير في «الدبلوماسية».. كيف يخدم ذلك أهداف «المتحف» دولياً؟
«الدبلوماسية»، في جوهرها، بناء جسور من الفهم، وترسيخ علاقات طويلة الأمد، وهي مبادئ تنطبق، تماماً، على العمل الثقافي. وقد أضافت هذه الدرجة العلمية بُعداً استراتيجياً، يتجاوز الإدارة اليومية نحو شراكات عابرة للحدود في البحث العلمي، والمعارض، والبرامج التعليمية. إن نجاح أي شراكة لا يعتمد على الاتفاق التجاري وحده، بل أيضاً على إيجاد رؤية مشتركة، تصنع قيمة حقيقية للطرفين، وللزوار، في الوقت نفسه. والفعاليات الناجحة، والتعاونات الدولية، ترسّخ مكانة أبوظبي مركزاً عالمياً للثقافة، والسياحة المعرفية.
من أبوظبي إلى العالم
كيف يمكن لـ«متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي» أن يعمّق ارتباط الأجيال الجديدة بأبوظبي، مع تحقيق النمو عبر الشراكات، والحفاظ على الهوية الإماراتية؟
نؤمن بأن أفضل طريقة لتعزيز الانتماء هي جعل المعرفة تجربة يعيشها الزائر، لا مجرد معلومات يتلقاها. لذلك نعمل مع شركاء من القطاعات الخاصة، والتعليمية، والإبداعية، لتطوير تجارب تفاعلية تُشعر الزائر بأنه جزء من القصة. وحين يكتشف طفل، مثلاً، أن أرض أبوظبي كانت قبل ملايين السنين موطناً لبيئة طبيعية غنية، يتحول الفضول إلى شعور بالفخر والانتماء. وفي الوقت نفسه، نحرص على أن تنطلق جميع شراكاتنا وتجاربنا التجارية من الهوية الإماراتية؛ فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بالعائد التجاري فقط، بل بالأثر الذي يتركه في ذاكرة الزائر. وكل تجربة، سواء في المتجر أو المطعم أو الفعاليات، يجب أن تعكس قيم الضيافة الإماراتية، وأن تقدمها بروح عصرية تواكب تطلعات العالم.
-
علياء الحمادي: استدامة المتاحف تكمن في «أنسنة التجربة»
ما فلسفتكِ لبناء فرق عمل عالية الأداء، وما البصمة التي تودين تركها؟
الفرق المتميزة تُبنى على الثقة، والتنوع، وحرية التعبير. وفي بيئة ديناميكية، كالمتحف، لا يتحقق التميز إلا حين يشعر الجميع بأنهم شركاء في الرسالة، وليسوا فقط منفذين للمهام. أما البصمة التي أتمنى تركها، فهي فرق واثقة بنفسها، وزوار يغادرون وهم يحملون فكرة جديدة، أو حلماً أكبر. لأن الأثر الحقيقي يُقاس بما نتركه في نفوس الأشخاص، وليس بالأرقام وحدها.
ما نصيحتك لكل طامحة إلى دخول قطاع المتاحف؟
إن حضور المرأة الإماراتية في الثقافة، اليوم، تجاوز المشاركة إلى صناعة القرار، وتشكيل التجربة الثقافية ذاتها؛ لذلك أقول لها: إن هذا القطاع يحتاج إلى الفضول قبل الشهادة، والشغف قبل المسار الوظيفي؛ فلا تخافي من تنوع الخبرات؛ فكل محطة ستضيف درساً. وحين يصنع حضورك فرقاً في طريقة رواية قصتنا للعالم، ستدركين أن هذا المجال مسؤولية، وهوية، في آنٍ.