تُعد متلازمة تكيس المبايض من أكثر الهواجس الصحية، التي تؤرق النساء في مقتبل العمر، ليس لكونها عارضاً طبياً فحسب، بل لتشابك أعراضها مع ملامح الأنوثة، وجودة الحياة. وفي سياق البحث عن فهم دقيق لهذه الحالة.. التقت «زهرة الخليج» الدكتور باسل إمام، استشاري الجراحة النسائية الروبوتية والجراحة طفيفة التوغل في مدينة الشيخ شخبوط الطبية؛ ليحدثنا عن أهمية دقة التشخيص، وأحدث طرق العلاج، ويُسلط الضوء على مسببات هذا الخلل الهرموني، ويشرح كيف يمكن للمرأة أن تستعيد توازن جسدها، من خلال تحويل «جرس الإنذار» المبكر إلى استراتيجية حياة، تفيض وعياً وحيويةً.

استهل الدكتور باسل إمام حديثه بتصحيح مفهوم شائع، هو أن متلازمة تكيس المبايض ليست «مرضاً» بالمعنى التقليدي، بل خلل في التوازن الهرموني، يبدأ غالباً في سن المراهقة. ووصفها بأنها «مظلة» تندرج تحتها مجموعة من الأعراض الجسدية، التي قد تختلف من شابة إلى أخرى، مشدداً على أن تأثيرها يمتد؛ ليشمل الجسم كله. وأشار الدكتور إمام إلى ضرورة الانتباه إلى أن الأعراض الخارجية الواضحة، مثل: زيادة الوزن، أو حب الشباب، ليست شرطاً للتشخيص في جميع الحالات. وهنا، يبيّن أهمية الفحوص الدورية، ومراجعة الطبيب، خاصة عند ملاحظة أي خلل في انتظام الدورة الشهرية؛ لأن العلم الحديث يعتبره «العلامة الحيوية الخامسة» في طب النساء، لدوره الجوهري في توضيح الحالة الصحية العامة للمرأة.

«كيمياء» الجسم

وفي شرحه للآلية الفسيولوجية لما يحدث داخل الجسم.. أوضح الدكتور باسل أن الدماغ، في الحالة الطبيعية، يرسل إشارات هرمونية إلى المبايض؛ لتجهيز بويضة وإطلاقها. أما في حالة «المتلازمة»، فتغيب تلك «الدفعة الهرمونية» اللازمة للإباضة؛ ما يؤدي إلى عدم انتظام الدورة الشهرية، أو انقطاعها. وأضاف شارحاً دور هرمون «التستوستيرون»، فأوضح أنه، عند ارتفاع مستويات الإنسولين أو هرمون (LH)، تبدأ المبايض في إنتاج كميات إضافية من التستوستيرون (الهرمون الذكري)، وهو المحرك الأساسي لظهور أعراض مزعجة، مثل: الشعر الزائد، وحب الشباب.

  • متلازمة تكيس المبايض «جرس إنذار» لصحة المرأة

أعراض.. وتشخيص مبكر

فصّل الدكتور إمام الأعراض الأكثر شيوعاً، ذاكراً: «الشعرانية» (ظهور شعر زائد في الوجه، أو الصدر)، وحب الشباب المقاوم للعلاجات التقليدية، و«الشواك الأسود» (بقع داكنة تظهر في مناطق معينة بالجسم، منها: الرقبة، وتحت الإبطين، وفي «منطقة الأربية»؛ نتيجة ارتفاع الإنسولين). ورغم أن هذه الأعراض تظهر، غالباً، بين سن الـ13، والـ15، إلا أنه حذّر من التسرع في التشخيص، خلال العامين الأولين بعد البلوغ، مبيناً أن عدم انتظام الدورة، في هذه المرحلة، قد يكون أمراً فسيولوجياً طبيعياً. كما لفت إلى أن نساءً يتم تشخيص حالتهن، في العشرينيات أو الثلاثينيات؛ عندما يبدأ القلق بشأن الخصوبة، أو زيادة الوزن غير المبررة. وطمأن الدكتور باسل النساء بأن «التكيسات» المرصودة في «السونار» ليست أوراماً، أو أكياساً ضارة تحتاج إلى استئصال، بل مجرد بويضات صغيرة، لم يكتمل نموها، وغير مؤذية تماماً. كما أكد أن التشخيص قد يقوم على الأعراض والهرمونات، حتى لو لم تظهر هذه التكيسات في التصوير.

خصوبة المرأة.. ومقاومة الإنسولين

وعن علاقة هذه «المتلازمة» بالعقم.. أوضح الدكتور إمام، بشكل قاطع، أنها لا تعني العقم أبداً، فالمصابات يمتلكن رحماً طبيعية، وبويضات سليمة، والتحدي يكمن فقط في «تأخر» الحمل بسبب عدم انتظام التبويض، وهو أمر يمكن علاجه بتنظيم نمط الحياة. وانتقل الدكتور باسل إلى الحديث عن «المحرك الأساسي» للمتلازمة، وهو مقاومة الإنسولين، فبين أن ارتفاع الإنسولين يرسل إشارات خاطئة إلى المبايض لإنتاج «التستوستيرون»؛ ما يوقف التبويض. ونبه إلى أن المتلازمة تعد «جرس إنذار»، حيث إن الدراسات تشير إلى أن أكثر من 50% من المصابات قد يصبن بالسكري من النوع الثاني، قبل سن الأربعين؛ إذا لم يتم التدخل لتعديل نمط الحياة.

مخاطر.. وتبعات

عدّد الدكتور إمام المخاطر المترتبة على التعامل غير الصحيح مع «المتلازمة»، وقسمها إلى نوعين: الأول: مخاطر قصيرة المدى تؤثر في جودة الحياة، مثل: النزيف الرحمي غير المنتظم، والاكتئاب، والقلق نتيجة التغيرات الجسدية. والثاني: مخاطر طويلة المدى أكثر جسامةً. وشدّد، بشكل خاص، على خطر «سرطان بطانة الرحم»، موضحاً أن الدورة غير المنتظمة تؤدي إلى تَسَمّك البطانة دون تجديد؛ ما قد يسبب نمو خلايا غير طبيعية. كما أكد ارتباط «المتلازمة» بأمراض القلب، وارتفاع الكوليسترول، وما يعرف بـ«متلازمة الأيض».

خيارات علاجية 

وفي حديثه عن العلاج، أكد الدكتور باسل إمام أنه لا يوجد «دواء سحري» ينهي المتلازمة إلى الأبد، لكن السيطرة الكاملة ممكنة. ونصح باتباع نظام غذائي منخفض السكريات؛ لتقليل مقاومة الإنسولين، مشيراً إلى أن خسارة 5% فقط من الوزن الزائد قد تُعيد التبويض إلى طبيعته. وركز الدكتور إمام على أهمية «تمارين المقاومة»؛ لزيادة الكتلة العضلية، وتحسين الاستقلاب، لكنه وجّه نصيحة دقيقة بضرورة تجنب المجهود البدني العنيف، والطويل (مثل «HIIT» الشاق) لمريضات التكيس؛ لأن أجسامهن حساسة جداً، والتوتر البدني يرفع هرمون «الكورتيزول»، الذي يفاقم مقاومة الإنسولين، ويزيد دهون البطن. واستعرض بعض الحلول الطبية، مثل: حبوب منع الحمل لتنظيم الدورة وحماية الرحم، وأدوية السكري لتحسين استجابة الخلايا، وعلاجات الشعر الزائد، مثل «السبيرونولاكتون»، والتقنيات التجميلية كالليزر.

وختم الدكتور باسل إمام حديثه برسالة ملهمة إلى كل امرأة، مؤكداً أن متلازمة تكيس المبايض ليست «حكماً»، بل دعوة لأن تكون المرأة النسخة الأكثر صحة ووعياً من نفسها. واعتبر أن هذه «المتلازمة» تجبر المرأة على التميز الصحي، وتُعَلمها «إدارة التوتر»، من خلال التأمل، والنوم الصحي؛ ما يحميها مستقبلاً من أمراض العصر كالسكري. وأنهى حديثه بالتشديد على أن التشخيص المبكر، والاستشارة المتخصصة، هما المفتاح لحياة مديدة، ومستقرة.

5 أسئلة.. وأجوبة 

1.  هل هناك ارتباط بين متلازمة تكيس المبايض، ومشاكل الغدة الدرقية؟

نعم، هناك تداخل شائع؛ فكسل الغدة الدرقية قد يفاقم أعراض التكيس بإبطاء عملية الأيض، وزيادة هرمون البرولاكتين. والتشخيص الدقيق يتطلب فحص وظائف الغدة؛ لضمان عدم خلط الأعراض، حيث يؤدي علاج «الدرقية» إلى تحسن ملحوظ.

2.  ما دور المكملات الغذائية، مثل «الإينوزيتول»، في تحسين الحالة؟

يعتبر «الإينوزيتول» مكملاً فعالاً؛ لتحسين حساسية الخلايا للإنسولين؛ ما يساعد في تنظيم التبويض، وتحسين جودة البويضات. وأثبتت الدراسات دوره في تقليل مستويات الأندروجين، لكن يجب تناوله بجرعات محددة، وتحت إشراف طبي؛ لضمان النتائج المرجوة.

3.  هل تؤثر «المتلازمة» في صحة العظام، أو تسبب هشاشتها مستقبلاً؟

على العكس، فالمصابات بالتكيس، غالباً، يمتلكن كثافة عظام جيدة؛ بسبب مستويات الأندروجين المرتفعة نسبياً. ومع ذلك، قد يؤدي انقطاع الطمث المبكر، أو اضطراب الإستروجين الشديد، إلى ضعف العظام؛ لذا تظل الرياضة، والمتابعة الوقائية، ضروريتين.

4.  كيف يمكن أن تؤثر «المتلازمة» في جودة النوم، والحالة النفسية ليلاً؟

ترتبط «المتلازمة» بزيادة خطر الإصابة بـ«انقطاع التنفس أثناء النوم»، خاصة لدى صاحبات الوزن الزائد. وهذا الاضطراب يرفع مستويات التوتر والكورتيزول ليلاً؛ ما يؤدي إلى شعور دائم بالإرهاق نهاراً، ويؤثر سلباً في التوازن الهرموني العام.

5.  هل يمكن للمصابة بـ«تكيس المبايض» اللجوء إلى عمليات التكميم، أو جراحات السمنة؟

في حالات السمنة المفرطة، المقاومة للأنظمة الغذائية، تُعد جراحات السمنة خياراً فعالاً؛ فهي تساعد في استعادة التوازن الهرموني، والتبويض، بشكل سريع؛ نتيجة الانخفاض الحاد في كتلة الدهون؛ ما يقلل جذرياً مقاومة الجسم للإنسولين.