قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

هل يمكن لمبنى ما أن يشبه فكرة الأمومة؟.. قد يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى، لكنَّ الإجابة تبدأ منذ الخطوة الأولى داخل المقر الرئيسي للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة في أبوظبي. فهنا، لم يُستخدم التصميم لإبهار العين فقط، بل لاحتواء الإنسان؛ حيث تتحول الخطوط المنحنية إلى شعور بالأمان، وتصبح الخامات

هل يمكن لمبنى ما أن يشبه فكرة الأمومة؟.. قد يبدو هذا السؤال غريباً للوهلة الأولى، لكنَّ الإجابة تبدأ منذ الخطوة الأولى داخل المقر الرئيسي للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة في أبوظبي. فهنا، لم يُستخدم التصميم لإبهار العين فقط، بل لاحتواء الإنسان؛ حيث تتحول الخطوط المنحنية إلى شعور بالأمان، وتصبح الخامات الطبيعية مساحة للدفء. فيما تنسج تفاصيل المكان علاقة هادئة بين العمارة، والإنسان. إنها تجربة تثبت أن التصميم لا يقتصر على تشكيل الفراغ، بل إنه يمتلك القدرة على ترجمة القيم إلى مكان يُرى، ويُعاش. وفي الردهة الرئيسية، يستقبل الزائرَ فضاءٌ مفتوحٌ تغمره الإضاءة الطبيعية، بينما تتوزع الجلسات بطريقة تشجع على اللقاء، والحوار. ومن هناك، تقود الممرات المنحنية إلى مساحات العمل، والمكتبة، والحضانة، ومناطق العمل الجماعي، في تسلسل يجعل الانتقال بين الفراغات يبدو طبيعياً، وانسيابياً.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

وخلال جولة خاصة، تكتشف «زهرة الخليج» كيف منحت العمارة مفاهيم: الرعاية، والطفولة، والهوية الإماراتية، شكلاً معاصراً، جعل من هذا المقر نموذجاً استثنائياً في تصميم المؤسسات الحكومية.

لغة الرعاية

فرق كبير بين مبنى يؤدي وظيفةً، وآخر يمنحك شعوراً بالراحة قبل أن تبدأ عملك، وهذا ما حاول المصممون تحقيقه؛ فابتعدوا عن الصور النمطية للمقار الحكومية ذات الممرات الطويلة، والمكاتب المغلقة، واتجهوا إلى مساحات مفتوحة تتدفق بانسيابية، وخطوط منحنية تخفف الإحساس بالصرامة، وألوان هادئة تستمد روحها من الطبيعة الإماراتية. ولا تبدو هذه الخيارات عشوائية، بل جاءت لتعكس رسالة «المجلس»؛ فالرعاية ليست خدمة يقدمها «المجلس» فقط، بل قيمة يعيشها كلُّ من يدخل المبنى. فحتى طريقة الحركة داخله صُممت لتكون سلسة، كأن المكان يدعو زواره إلى التمهل، لا إلى العبور السريع.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

مساحات للأطفال

أكثر ما يميز المبنى أنه لم يتعامل مع الطفل؛ بوصفه زائراً مؤقتاً، بل اعتبره أحد مستخدمي المكان. لذلك، خُصصت حضانة داخلية، ومكتبة للأطفال، ومساحات لعب، تضم: جدار «ليغو»، وعناصر للتسلق، وألعاباً تعليمية، مع توظيف ألوان هادئة، ومواد طبيعية، تراعي راحة الأطفال، وتشجعهم على التفاعل. وحتى دورات المياه الخاصة بالأطفال صُممت بعناصر مستوحاة من الحياة البحرية، بينما استلهمت بعض الأسقف حِرْفة السدو الإماراتية بطريقة معاصرة؛ ليصبح التراث جزءاً من تجربة الطفل اليومية. 

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

هوية إماراتية 

وقد أعاد المشروع قراءة التراث، وليس استنساخه، من خلال عناصر تستحضر ذاكرة المكان.. ففي منطقة الاستقبال، مثلاً، استُلهمت فكرة الفناء الإماراتي التقليدي، مع الأقواس، والجلسات الجانبية، والنباتات. بينما ظهرت أنماط البراجيل، والكتل المعمارية المحلية، بصورة مجردة داخل القواطع والجدران. كما استُخدمت خامات، مثل: الخشب الطبيعي، والحجر، والنحاس؛ لتشكيل بيئة هادئة تعكس هوية المكان بعيداً عن المبالغة الزخرفية. ولهذا، يشعر الزائر بأنه في مبنى إماراتي، حتى لو لم يَرَ رمزاً تراثياً مباشراً؛ لأن الهوية هنا تُعاش أكثر مما تُعرض.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

كما أسهمت، في إثراء هذه التحفة المعمارية، نخبةٌ من الفنانين التشكيليين الإماراتيين، الذين أضفوا على مبنى «المجلس» بُعدًا فنيًا يعكس الهوية الوطنية.. فقدّمت الفنانة التشكيلية، أشواق عبدالله، لوحتين جداريتين: تُجسّد الأولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مشهد إنساني يجالس فيه أبناءه. فيما تصور الثانية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في طفولته برفقة جدته، في تجسيد بصري، يستحضر القيم الأسرية الأصيلة، والذاكرة الوطنية.

كما صممت الفنانة التشكيلية، لطيفة سعيد الفلاسي «جلسة الضفيرة»، التي استلهمت منها الموروث الإماراتي، وأعادت تقديمه برؤية فنية معاصرة؛ لتعكس روح الضيافة، والترابط الاجتماعي، اللذين تميز بهما المجتمع الإماراتي.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

وتضمّن «المشروع»، كذلك، أعمالًا فنية، من تنفيذ مؤسسة فاطمة بنت محمد بن زايد (FBMI)، من أبرزها جدارية نسيجية منسوجة يدويًا، تُعد عملًا فنيًا مُلهمًا، ينسج سردًا بصريًا آسراً، يوثق مسيرة دولة الإمارات على مدى الخمسين عامًا الماضية، ويجسد تطلعاتها نحو الخمسين المقبلة، في تعبير فني يجمع رموز الماضي، وإنجازات الحاضر، ورؤية المستقبل، ويعكس مسيرة الوطن المتواصلة نحو الريادة، والابتكار.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

رفاه الموظف

اليوم، أصبحت بيئة العمل جزءاً من جودة الحياة. ومن هذا المنطلق، صُمم المبنى؛ ليكون أكثر من مجرد مقر إداري؛ إذ تتوزع فيه مساحات للعمل الفردي، وأخرى للجماعي، ومكتبة، ومناطق للاجتماعات غير الرسمية، إضافة إلى جلسات هادئة، تسمح للموظف باستعادة تركيزه. كما يلعب الضوء الطبيعي دوراً أساسياً في تشكيل الفراغ، إلى جانب النباتات الداخلية، والخامات الطبيعية، ما يوفر بيئة عمل أكثر راحةً، ومرونة. فالاهتمام بالموظف يبدأ، أحياناً، من الكرسي الذي يجلس عليه، والنافذة الموجودة أمامه، والمسافة التي تفصل بينه، وبين زميله.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة

جوائز

المقر، لم يلفت الأنظار بسبب فخامة شكله الخارجي، بل بسبب الفكرة التي يحملها؛ فقد قدم المشروع نموذجاً مختلفاً للمباني الحكومية، يجمع بين التصميم الإنساني، والهوية الإماراتية، والاستدامة، واحتياجات الأسرة والطفل؛ ما أهّله للفوز بعدد من الجوائز الدولية، أبرزها: «Interior Design of the Year – Office»، ضمن «Commercial Interior Design Awards 2022»، وجائزة «Best of Year Winner»، من مجلة «Interior Design» الأميركية، ضمن فئة «Government / Institutional»، إضافة إلى «Architectural Digest Design Award»، وإدراجه ضمن القائمة القصيرة لجوائز «Design Middle East Awards». كما حظي المشروع بتغطية واسعة في منصات عالمية متخصصة تناولته؛ بوصفه نموذجاً جديداً لبيئات العمل الحكومية، المتمحورة حول الإنسان.

  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة
  • قيم الرعاية والاحتواء في لغة معمارية معاصرة