«متحف المرأة» يروي قصص نساء رائدات
عبر الأزقة العتيقة، حين تشق طريقك إلى «سوق الذهب» في ديرة، وسط رائحة البخور المتصاعدة، وأصوات الباعة، وبريق المشغولات الذهبية.. فجأة، تجد أمامك مبنى شامخاً، يختلف في روحه عما حوله؛ لا يتباهى بالبريق، بل يدعوك إلى شيء أعمق.. يدعوك إلى الإنصات. هذا هو «بيت البنات» (متحف المرأة في دبي)، الذي اختير موقعه بعناية لا تخلو من رمزية عميقة؛ فبجوار أثمن ما صنعته يد الإنسان من ذهب ومعادن، تجد ما هو أثمن من كل ذلك: (قصص النساء اللواتي بنين هذه الأرض).
-
«متحف المرأة» يروي قصص نساء رائدات
امرأة وراء المتحف
لا يمكن أن تفهم «بيت البنات»، دون أن تفهم المرأة التي أوجدته.. إنها الدكتورة رفيعة غباش، التي لم تُنشئ متحفاً بالمعنى التقليدي، بل أعادت إلى الحياة ذاكرةً كانت تتسرب ببطء بين أصابع الزمن. وتحكي سيرتها أن الحلم وُلد مبكراً بداخل طفلة نشأت في أحضان بيوت العلم؛ فأمها كانت قارئة ومعلمة، وبيت «بنت الزينة» (محفظة القرآن) كان محطتها الأولى قبل أن تحملها الأيام إلى جامعات بعيدة، لتطلب العلم؛ وتمنحه.
عادت الدكتورة رفيعة بما اكتسبته، وحوّلته إلى مشروع أكبر من أن يُختزل في كلمة متحف؛ فأنفقت من مالها الخاص، وصمدت أمام صعوبات يعرفها كل من حاول أن يبني شيئاً من لا شيء، حتى فتح «بيت البنات» أبوابه في مبنى تاريخي، يتنفس عبق أيام ثرية في قلب ديرة. وقد أرادت لمن يزور هذه الأرض أن يعرف ملامح النساء، اللواتي ساهمن في صياغة حكاياتها، وأن يرى وجوههن قبل أن يغمرها غبار النسيان.. وقد فَعَلَتْ!
-
«متحف المرأة» يروي قصص نساء رائدات
ثلاثة طوابق
حين تدلف إلى المتحف، الموزع على ثلاثة طوابق، تستقبلك إضاءة دافئة، لا تشبه برود المتاحف المعتادة. فهناك شيء في الهواء يشبه البيوت القديمة، بيوت الجدات، تلك التي يحمل ترابها رائحة الذاكرة. فالجدران لا تصمت، وكل زاوية تهمس بشيء؛ لو أمعنت الإنصات لسمعته!
في الطابق الأول: تواجهك مجموعة من الحلي القديمة، مهداة من بنات وحفيدات نساء رحلن. وكل قطعة منها تحمل - من وراء زجاجها - ثِقَل سنوات، منها: خاتم ربما ارتدته عروس في ليلة فرحها، وسوار ربما أمسكت به أمٌّ يدَ ابنتها في لحظة توديع. هذه المجوهرات لم تُشترَ من متاجر، بل وهبتها أسر كريمة للمتحف؛ لتكون شاهداً على تاريخ حي. ولا تحتاج هذه القطع إلى شرح طويل؛ فتكفيك نظرة واحدة؛ لتشعر بأنك تتطفل على ذاكرة ليست ذاكرتك، لكنها ذاكرة الجميع. وبجانب هذه القطع، يقف ثوب الشيخة حمدة بنت محمد بن خليفة بن زايد الأول آل نهيان شاهداً صامتاً على أناقة حقبة، وعراقة نسب.
-
«متحف المرأة» يروي قصص نساء رائدات
وجوه على الجدران
على أحد جدران المتحف، علقت صور نساء رائدات من ميادين شتى؛ منها: السياسة، والإعلام، والاقتصاد، والتعليم، والطب، والفن، والعمل التطوعي. وجوه تراوح بين الجدية والدفء، وعيون تحكي عن مسيرات لم يكتبها أحد من قبل. وتقرأ في لافتة إلى جانب الصور: «مع دخول الإمارات إلى مرحلة الدولة الحديثة، تغيّر وضع المرأة وطبيعة إسهامها في النسيج المجتمعي. وهذه وقفة تحية لها، ولهن».. جملة بسيطة تختزل تحولاً استغرق عقوداً.
-
«متحف المرأة» يروي قصص نساء رائدات
قصص فردية
ولعل أكثر ما يسحرك في هذا المتحف، هو القصص الفردية لبعض النساء، تلك القصص تكسر ما اعتدت رؤيته.. عوشة بنت حسين لوتاه، واحدة منهن؛ إنها امرأة لم تقبل التقليل من شأن بنات جنسها؛ حين أغضبتها قصيدة لأحد الشعراء سخر فيها من النساء، اللواتي ركبن الحافلة المدرسية نحو مراكز محو الأمية؛ فدعت الشعراء للرد عليه؛ تأكيداً لأهمية تعليم المرأة.
أما منيرة بنت أحمد بن سالم المزروع، أول مصورة في الشارقة، فقصتها تجمع بين موهبة النادر، وإتقان الأشد ندرةً. ففي منزلها أكثر من خمسين كاميرا، تنتمي إلى مراحل زمنية مختلفة، وتتنوع بين تصوير فوتوغرافي، وسينما، وفيديو، وقد وثّقت - بعدستها - حياة اجتماعية نابضة بين عامَيْ: 1950، و1980. لكنَّ التصوير لم يكن سوى بداية؛ فهي أيضاً تُصلح البنادق بأنواعها كافة، وهناك أكثر من أربعين بندقية تزيّن جناحاً آخر من منزلها، وقد كانت - في صغرها - تفوق أعمامها في الرماية؛ حين كان والدها يضعها في تحدٍّ معهم. وكما أتقنت إصلاح البنادق، أصلحت العظام المكسورة، فكان الناس يلجؤون إليها لتجبير الكسور، ثم تطور عشقها للتفاصيل الدقيقة، إلى صنع مجسمات بديعة لبيوت، وحيوانات، وأطباق، ووجوه.
-
«متحف المرأة» يروي قصص نساء رائدات
وحين تظن أن المتحف قد أدهشك بما يكفي، تقف أمام «ركن هاجر الخاجة»؛ فتعيد النظر.. هاجر من إمارة عجمان، وُلدت عام 1910، في أسرة كان القلم والكتاب جزءاً من هوائها؛ فأبوها يقرأ، وأمها تقرأ، وأخوها يقرأ، في زمن لم تكن فيه القراءة أمراً مألوفاً، لا سيما للنساء. وظل الكتاب رفيقها، والثقافة زادها، واختارت أن تعيش على حافة المعرفة، لا على هامش الحياة. وما يُعرض، هنا، من كتبها، ومقتنياتها الشخصية، جمعه ابنها محمد أمين غياث بعناية المحب الحريص؛ فجاءت هذه المقتنيات محملة بالمشاعر والتاريخ معاً.
عوشة بنت خليفة السويدي.. شاعرة منحت الجدران صوتاً
من ثراء تلك الحكايات، ننتقل إلى القاعة المخصصة للشاعرة الإماراتية الراحلة عوشة بنت خليفة السويدي (فتاة العرب)، كما لُقِّبت. والانتقال هناك سلس؛ لأن المتحف بأكمله مبنيٌّ على منطق واحد: «كل امرأة لها بيتها الخاص هنا». والقاعة مصممة على هيئة كثبان رملية ذهبية، كأنك دخلت إلى قصيدة لا إلى غرفة، وقصائدها منقوشة بخط الثلث على خشب قُطع بالليزر. تراها فتقرأها، ثم تتوقف؛ لتقرأها مرة أخرى. وتُعرض، أيضاً، «قصيدة الغفران»، التي ودّعت بها مسيرتها الشعرية، ذلك الوداع الذي يجعلك تتساءل: كم من الأشياء قيلت، وكم منها لم يُقَل بَعْدُ؟!
وحين تخرج من «بيت البنات»، وتعود إلى صخب «سوق الذهب».. يستوقفك - في ذهنك - ما قرأته على أحد جدران المتحف: «نساء أبين العيش على هامش الحياة، فدمغنها بحضورهن الجليل». كما تحمل معك، حين تغادر، شيئاً لم تكن تحمله حين دخلت، ليس هدية، أو تذكاراً، بل شعور غريب بأنك التقيت بنساءٍ لم تلتقِ بهنَّ قط، وعرفت أرضاً كنت تظن أنك تعرفها!