في ثقافة العمل الحديثة، يُنظر كثيراً إلى التوقف عن العمل؛ باعتباره نقيضاً للإنتاجية، كأن الموظف الأكثر نجاحاً هو من يستطيع البقاء أمام شاشة الكمبيوتر لساعات طويلة، دون أن يرفع عينيه عنها، لكن الأبحاث العلمية في علم النفس المهني والأداء المعرفي تقدم صورة مختلفة. والدماغ البشري لا يحافظ على المستوى نفسه من الانتباه، والطاقة، طوال ساعات العمل، ومع استمرار أداء المهمة نفسها يبدأ التعب الذهني في التراكم، وقد تتراجع القدرة على التركيز، وترتفع احتمالات ارتكاب الأخطاء.
ومن هنا، ظهر الاهتمام بمفهوم يمكن وصفه بـ«الراحة الإنتاجية»، أي استخدام فترات توقف قصيرة ومدروسة، خلال يوم العمل، ليس بهدف الهروب من المسؤوليات، وإنما للحفاظ على الموارد الذهنية والجسدية، التي يحتاج إليها الإنسان؛ لإنجاز مهامه بكفاءة.
-
«الراحة الإنتاجية».. كيف يساعد التوقف القصير في إنجاز المزيد؟
ما المقصود بـ«الراحة الإنتاجية»؟
تعتمد «الراحة الإنتاجية» على إدخال فترات قصيرة من الانفصال عن المهمة، بين جلسات العمل. ويطلق الباحثون على الفترات، التي لا تتجاوز عادة عشر دقائق اسم «Micro-breaks» (الاستراحات القصيرة)، وخلال هذه الدقائق يمكن للشخص الوقوف من مقعده، أو المشي قليلاً، أو التمدد، أو النظر بعيداً عن الشاشة، أو تناول مشروب، أو التوقف عن التفكير في المهمة التي يعمل عليها.
وتكمن الفكرة في السماح بقدر محدود من التعافي، قبل العودة إلى العمل، بدلاً من الاستمرار حتى الوصول إلى مرحلة من الإرهاق يصبح معها إنجاز المهمة نفسها أكثر صعوبة. لذلك، ينظر الباحثون إلى الاستراحة؛ باعتبارها إحدى وسائل التعافي من الضغوط المتراكمة أثناء أداء المهام.
ماذا تقول الدراسات عن «الاستراحات القصيرة»؟
واحدة من أبرز الدراسات، التي تناولت المسألة كانت مراجعة منهجية، وتحليلاً تلوياً نُشرا عام 2022، في مجلة «PLOS ONE»، وشملا 22 عينة مستقلة، تضم إجمالاً 2335 مشاركاً، ووجد الباحثون أن «الاستراحات القصيرة» كان لها تأثير إيجابي ذو دلالة إحصائية في زيادة الشعور بالنشاط، وتقليل التعب، إلا أن تأثيرها في الأداء العام لم يكن دالاً إحصائياً عند جمع مختلف أنواع المهام معاً.
وأظهرت التحليلات الفرعية فائدة أوضح في المهام الأقل تطلباً من الناحية المعرفية، كما لاحظ الباحثون أن تحسن الأداء يرتبط جزئيًا بطول فترة الاستراحة؛ وكلما أصبحت الاستراحة أطول نسبياً زادت فرص ظهور تحسن في الأداء، بينما قد تحتاج المهام شديدة الاستنزاف الذهني إلى استراحات تتجاوز العشر دقائق؛ حتى يحدث تعافٍ كافٍ.
لماذا يفقد الإنسان تركيزه عند العمل لفترة طويلة؟
من الأسباب، التي تجعل التوقف القصير مفيداً، أن الانتباه المستمر إلى المثير نفسه ليس مورداً ثابتاً بلا حدود. وفي دراسة أجراها باحثون بجامعة «إلينوي»، ونُشرت نتائجها في دورية الإدراك «Cognition»، توصل الباحثون إلى أن أداء مهمة واحدة، لفترة ممتدة، قد يؤدي إلى تراجع الانتباه، والأداء.
بينما ساعدت التحويلات القصيرة للانتباه، بعيداً عن المهمة، في الحفاظ على القدرة على التركيز لفترة أطول، وتدعم هذه النتائج فكرة أن محاولة إجبار العقل على التركيز المتواصل، ليست بالضرورة الطريقة المثالية للعمل؛ ففي بعض الحالات قد يكون الابتعاد عن المهمة للحظات، ثم العودة إليها أكثر فاعلية من البقاء أمامها، بينما يتراجع الانتباه، تدريجياً، دون أن يلاحظ الشخص ذلك بوضوح.
-
«الراحة الإنتاجية».. كيف يساعد التوقف القصير في إنجاز المزيد؟
الراحة لا تعني خسارة وقت العمل:
أحد الاعتراضات الشائعة، على «الاستراحات المتكررة»، هو أنها تقلل عدد الدقائق المتاحة للعمل، وبالتالي قد تخفض الإنتاج، لكن التجارب الميدانية لا تدعم هذه الفكرة دائماً. فقد درس المعهد الوطني الأميركي للسلامة والصحة المهنية (NIOSH)، تأثير إضافة 4 استراحات مدة كلٍّ منها 5 دقائق، إلى الجدول المعتاد لمجموعة من العاملين في إدخال البيانات، ووجد أن الاستراحات الإضافية ساهمت في تقليل أعراضٍ، مثل: إجهاد العين، وعدم وضوح الرؤية، والانزعاج في الجزء العلوي من الجسم، من دون أن تؤدي إلى تراجع الإنتاجية.
وتشير النتيجة إلى أن تقييم الإنتاجية بعدد الدقائق، التي يقضيها الإنسان على مكتبه فقط، قد يكون مضللاً، لأن جودة التركيز، والراحة الجسدية، خلال تلك الدقائق، تؤثران في مقدار العمل، الذي يمكن إنجازه فعلياً.
كيف تجعل استراحتك أكثر فاعلية؟
الاستراحات القصيرة، التي تبلغ 10 دقائق، أو أقل تساعد بوضوح في تقليل التعب، وزيادة النشاط، لكن المهام شديدة المتطلبات المعرفية قد تحتاج إلى وقت أطول.
وعملياً، يمكن إدخال توقفات قصيرة بصورة منتظمة، خلال اليوم، بدلاً من الانتظار حتى الوصول إلى الإنهاك؛ ويمكن خلالها النهوض من المقعد، أو التحرك لبضع دقائق، أو التمدد، أو النظر بعيداً عن الشاشة، مع الحرص على أن تكون الاستراحة انفصالاً حقيقياً قدر الإمكان عن المهمة، التي كانت تستنزف الانتباه.
هل تصفح الهاتف يُعدُّ استراحة حقيقية؟
الانتقال من شاشة الكمبيوتر إلى الهاتف قد يمنح الشخص إحساساً بأنه أخذ استراحة، لكنه لا يحقق بالضرورة النوع نفسه من الانفصال الجسدي والذهني، الذي توفره الحركة، أو الابتعاد عن بيئة العمل.
والأهم من الالتزام بنشاط واحد محدد، هو أن تمنح الاستراحة فرصة للتعافي، بدلاً من تحويلها إلى مهمة عمل أخرى؛ فالرد على البريد الإلكتروني أو مراجعة رسائل العمل، على سبيل المثال، لا يمثل انفصالاً حقيقياً عن المطالب المهنية.