دائماً، يتم اتهام الأشخاص - الذين استعادوا أوزانهم العالية، بعد أن كانوا قد خسروا وزنهم بسبب التزامهم لفترات بالحمية الغذائية، أو ممارسة الرياضة، أو خضوعهم لعمليات تحويل المسار - بضعف إرادتهم أمام الطعام، أو فقدان الرغبة في الاستمرار بأنظمة الحميات الغذائية، التي ساعدتهم سابقاً على إنقاص أوزانهم، ما يجعلهم يتوقفون عن الالتزام ببرامج التخسيس، ويدفعهم نفسياً إلى تناول كميات إضافية من الطعام دون انضباط، أو تقدير.

لكن المفاجأة، التي كشفها بحث طبي سريري، أجراه باحثون في كلية العلوم الصحية والطبية بجامعة كوبنهاغن، ونشره موقع «ScienceDaily» المَعْنِيّ بالصحة، تمثلت في اكتشاف حيلة يمارسها الدماغ، تجعل الجسم نفسه يقاوم فكرة التخسيس، ويتعامل الدماغ مع الأمر باعتباره خطراً وجودياً يهدد الحياة.

  • ما سبب استعادة الوزن بعد الحمية الغذائية؟!

يقول باحثو جامعة كوبنهاغن: إن الجسم، بأوامر من الدماغ، لا ينسى الوزن الذي بلغه في السابق، بل يحتفظ بما يشبه «ذاكرة بيولوجية» تجعله يدافع عن ذلك الوزن، حتى إن كان زائداً عن المعدل الصحي. وتفسر هذه الآلية سبب فشل كثير من الحميات الغذائية على المدى الطويل، كما تفسر أيضاً الدور الذي تؤديه أدوية علاج السمنة الحديثة في كبح الشهية، وإن كانت تراجعت نتائجها بعد التوقف عن العلاج.

وترجع الدراسة البحثية السريرية، التي أجريت على 209 متطوعين، على مدى عامين، أنه لدى الشخص الذي يبدأ في خسارة الوزن، لا ينظر الدماغ إلى ذلك على أنه تحسن صحي، بل يتعامل معه كما لو كان مؤشراً إلى نقص خطير في الغذاء. ونتيجة لذلك، ترتفع هرمونات الجوع، وتزداد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية، بينما ينخفض معدل حرق الطاقة، في محاولة لإعادة الجسم إلى وزنه السابق.

كما لا يكتفي الدماغ بإبطاء عملية فقدان الوزن، بل يحتفظ أيضاً بذاكرة للوزن الأعلى الذي وصل إليه الشخص في الماضي. فبعد فترة من زيادة الوزن، يبدأ الدماغ في اعتبار هذا الوزن هو «الوضع الطبيعي الجديد»، ويعمل على الدفاع عنه، حتى لو كان يمثل زيادة غير صحية.

وهذا هو السبب الحقيقي، الذي يجعل العديد من الأشخاص يستعيدون أوزانهم الزائدة، التي فقدوها سابقاً، نتيجة التزامهم بحمية غذائية، وممارسة التمارين الرياضية، أو حتى القيام بعملية تحويل مسار المعدة. وهو الأمر الذي نبه إليه بعض خبراء التغذية، وقد وفرت أدوية السمنة الحديثة أملاً جديداً للمصابين بالسمنة، إذ تعمل على محاكاة هرمونات طبيعية تفرزها الأمعاء، وتبعث إشارات إلى الدماغ تقلل الشعور بالجوع، وتزيد الشعور بالشبع.

  • ما سبب استعادة الوزن بعد الحمية الغذائية؟!

لكن اللافت أن هذه الأدوية لا تعد حلاً سحرياً نهائياً، فبعض المرضى لا يستجيبون لها بالشكل المطلوب، بينما يعاني آخرون آثاراً جانبية تجعل الاستمرار في استخدامها أمراً صعباً. كما أن الوزن قد يعود، مجدداً، لدى كثير من المرضى بعد إيقاف العلاج، مع استعادة الجسم آلياته الدفاعية.

وخلصت الدراسة السريرية إلى أن السمنة ليست فشلاً شخصياً، أو نقصاً في قوة الإرادة، بل حالة بيولوجية معقدة تتداخل فيها عوامل تتعلق بالدماغ، والجينات، والبيئة المحيطة. ومع التقدم العلمي المتواصل، تتزايد فرص تطوير علاجات أكثر فاعلية، إلى جانب استراتيجيات وقائية قد تسهم في الحد من انتشار السمنة بين الأجيال القادمة.