من قلعة معلقة فوق «بحر الشمال»، إلى غابات الصنوبر، والشواطئ المعزولة.. حوّل كريستوفر نولان الساحل الاسكتلندي إلى عالم يوناني أسطوري.. إنها رحلة بين الأماكن الحقيقية، التي ظهرت في فيلم «الأوديسة»، وتستحق أن تكون وجهة، في حد ذاتها.

  • من اسكتلندا إلى «عالم هوميروس».. مواقع تصوير «الأوديسة» تستحق الزيارة

وبعيداً عن الجدل النقدي، الذي رافق الفيلم، وعن النقاشات المتعلقة بمدى وفائه للنص الشعري الأصلي لهوميروس، يصعب تجاهل القوة البصرية، التي يحملها. فالبحر، والصخور، والغابات، والقلاع القديمة، والسواحل المفتوحة على المجهول، كلها تبدو كأنها خرجت من عالم أسطوري لم تطأه قدم إنسان. والمفارقة الجميلة أن بعض أكثر مشاهد الفيلم إيحاءً بالعالم المتوسطي القديم، لم تُصوَّر في اليونان، بل في شمال شرق اسكتلندا.

واختار نولان منطقة «موراي»، وساحل «موراي فيرث»، حيث تمتد المشاهد الطبيعية الوعرة بين: البحر، والغابات، والكثبان الرملية؛ لتؤدي دور أجزاء من العالم، الذي يقوم فيه «أوديسيوس» برحلته الطويلة. وقد صُوّرت في المنطقة مواقع عدة، أبرزها: «قلعة فيندليتر»، و«شاطئ ساني سايد»، و«غابة كولبن»، إضافة إلى «ميناء باكي».

  • من اسكتلندا إلى «عالم هوميروس».. مواقع تصوير «الأوديسة» تستحق الزيارة

والأجمل، بالنسبة إلى عشاق السفر، أن هذه ليست مواقع سينمائية مغلقة، أو ديكورات اختفت بعد انتهاء التصوير؛ لأنها أماكن حقيقية يمكن الوصول إليها، واستكشافها، مع مراعاة طبيعتها البرية، وبعض التحذيرات الخاصة بالسلامة.

«قلعة فيندليتر»:

لو كان هناك مكان واحد يستحق أن يبدأ منه من أحبوا فيلم «الأوديسة» رحلتهم، فسيكون على الأرجح «قلعة فيندليتر»، التي تقف أطلالها على نتوء صخري شاهق يطل مباشرة على «موراي فيرث»، في مشهد يجمع بين: البحر المفتوح، والمنحدرات الحادة، وبقايا عمارة من العصور الوسطى. ويعود تاريخ الموقع إلى القرن الثالث عشر على الأقل، قبل أن يتحول عبر القرون إلى أحد أكثر المعالم التاريخية إثارة على الساحل الاسكتلندي.

وفي الفيلم، أصبحت القلعة، والمنطقة المحيطة بها، جزءاً من جزيرة «إييا» (موطن «الساحرة كيركي»)، التي تؤدي دورها سامانثا مورتون. وهنا، تقع إحدى أكثر اللحظات غرابة في «رحلة أوديسيوس»، عندما تُحوّل «كيركي» رجال طاقمه إلى خنازير.

  • من اسكتلندا إلى «عالم هوميروس».. مواقع تصوير «الأوديسة» تستحق الزيارة

واختيار نولان للمكان يبدو منطقياً عند رؤية هذه المشاهد؛ فالقلعة المنعزلة، الواقفة فوق البحر كأنها على حافة العالم، تمنح المكان شعوراً بالخطر، والسحر، في الوقت نفسه.

لكن زيارة القلعة تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالقلعة نفسها غير آمنة للدخول بسبب طبيعة الأطلال، وحواف المنحدرات، لذلك ينبغي الاكتفاء بالمشاهدة من نقاط الإطلالة، والمسارات المحيطة بها. وتؤكد الجهات المحلية أن الوصول إلى «نقطة المشاهدة» يتطلب مسافة مشي تقارب الـ500 متر من موقف السيارات، عبر أرض غير مستوية؛ ما يجعل الزيارة أجمل. ولا توجد، هنا، تجربة سياحية مصقولة ومزدحمة، بل مشهد طبيعي خام، يحتاج إلى المشي، والتأمل، والوقت.

«شاطئ ساني سايد»:

على مسافة قريبة من «قلعة فيندليتر»، يظهر «شاطئ ساني سايد»، أحد تلك الأماكن التي تبدو بعيدة عن العالم، رغم قربها الجغرافي من القرى، والطرق. ويمتد الشاطئ الرملي بين المنحدرات والكثبان، وقد استخدمه نولان في مشاهد وصول «أوديسيوس» ورفاقه إلى الساحل، إلى جانب مشاهد مرتبطة بحطام السفينة. وتؤكد الجهات المحلية أن الشاطئ يمكن الوصول إليه سيراً عبر المسار الساحلي، الذي يصل بين «كولن»، و«قلعة فيندليتر».

  •  
  • من اسكتلندا إلى «عالم هوميروس».. مواقع تصوير «الأوديسة» تستحق الزيارة

وهنا، تحديداً، تظهر واحدة من أجمل أفكار الفيلم بصرياً؛ فالمكان الذي يبدو في الشاشة كجزيرة نائية بقلب البحر المتوسط، هو في الحقيقة شاطئ اسكتلندي مفتوح على «بحر الشمال».

ولمن تحب السفر الهادئ، والتصوير، يوفر الموقع فرصة مختلفة عن الزيارات السياحية التقليدية؛ فبدلاً من الوقوف أمام معلم محدد، يمكن قضاء وقت أطول في المشي على الرمال، ومراقبة المنحدرات، والتقاط صور للطبيعة.

«غابة كولبن»:

تمتد الغابة بالقرب من «خليج فيندهورن»، و«موراي فيرث»، وتجمع بين أشجار الصنوبر، والكثبان الرملية، والممرات الطبيعية، والمساحات المفتوحة. وفي الفيلم، تدخل إليها «مجموعة أوديسيوس» بعد وصولها إلى اليابسة، قبل أن تتحول الرحلة إلى مواجهة مع «اللاستريغونيين»، وهم العمالقة آكلو البشر في «ملحمة هوميروس».

وتمنح «كولبن» الفيلم إحساساً واضحاً بالاتساع؛ فالأشجار الكثيفة، والممرات الطويلة، تجعل الشخص يبدو صغيراً أمام الطبيعة، وهي نقطة تخدم تماماً روح الرحلة، التي يقوم عليها العمل.

لكن قصة الغابة الحقيقية لا تقل إثارة عن قصتها السينمائية، فقد ارتبطت «كولبن» تاريخياً بالرمال المتحركة، وبتغيّر طبيعة الساحل. كما أن المنطقة تخفي آثاراً لمستوطنات قديمة. واليوم، تحولت إلى مساحة لمحبي المشي، وركوب الدراجات، ومراقبة الحياة البرية، ويمكن للزوار مشاهدة أنواع من الطيور، والحيوانات، التي تشتهر بها اسكتلندا.

«ميناء باكي»:

هو ميناء صيد تقليدي على «ساحل موراي»، كان واحداً من المواقع، التي ساعدت نولان على بناء الجانب البحري من الفيلم. والأكثر إثارة أن الإنتاج لم يعتمد على المؤثرات الرقمية وحدها؛ لإظهار السفن القديمة.

  • من اسكتلندا إلى «عالم هوميروس».. مواقع تصوير «الأوديسة» تستحق الزيارة

وظهرت في المنطقة سفن خشبية حقيقية، من بينها سفينة «الفايكنغ» العملاقة «دراكن هارالد هارفاغر»، التي يبلغ طولها نحو 35 متراً، إلى جانب سفن أخرى استخدمت لتجسيد عالم الملاحة القديمة.

وهذه التفاصيل تكشف جانباً مهماً من فلسفة نولان في صناعة الفيلم؛ فبدلاً من بناء عالم أسطوري بالكامل داخل الحاسوب، استفاد المخرج من الأماكن الحقيقية، والسفن الحقيقية، والبحر الحقيقي؛ ليمنح الرحلة ملمساً أكثر واقعية.

أما اليوم، فيمكن للزائر الاطلاع على تاريخ المكان، من خلال «مركز باكي للتراث البحري»، حيث يرتبط تاريخ المنطقة بصيد الأسماك، وصناعة القوارب، وحياة النساء المعروفات، تاريخياً، باسم «زوجات الصيادين»، اللواتي شكلن جزءاً مهماً من المجتمع الساحلي.

ليست اسكتلندا وحدها:

رغم أن الساحل الاسكتلندي يعد أحد أكثر أجزاء الفيلم إثارة بصرياً، إلا أن «الأوديسة» فيلم عالمي بالمعنى الحرفي للكلمة. فقد انتقل التصوير بين مواقع في: اليونان، وإيطاليا، وآيسلندا، والمغرب، ومالطا، إلى جانب اسكتلندا، والولايات المتحدة. واستخدم نولان اختلاف هذه البيئات؛ ليصنع عالماً لا يبدو كأنه ينتمي إلى بلد واحد، بل إلى أسطورة عابرة للجغرافيا.