في ديسمبر الماضي، فتح «متحف زايد الوطني» أبوابه؛ ليأخذ زواره في رحلة استثنائية، عبر 300 ألف عام من التاريخ البشري، مستلهماً القيم الخالدة، التي أرساها الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وتتجسد هذه الرؤية عبر ست صالات عرض، وردهات «حديقة المسار»؛ لتُشكل تجربة متكاملة، تحتضن الزوار كافة على تنوعهم، من خلال منظومة خدمات، وبرامج إمكانية الوصول، وتجارب الضيافة الراقية، ومتجر «النقوة».

وخلف هذا الصرح الثقافي الرائد، وتجربته الاستثنائية، تقف نساء إماراتيات يسهمن بشغف في صياغة سردية «المتحف»، وإثراء ما يطالعه الزوار. وفي هذا التقرير، نتعرف على شابتين إماراتيتين ملهمتين، ونستكشف معهما ما يقدمه المتحف الوطني لدولة الإمارات من إرث، ورؤية مستقبليّة.

  • هند الخوري

هند الخوري - التذكارات والمأكولات.. تجربة ثرية للزائر تعكس الهوية وتدعم شباب الإمارات:

عندما يُنهي الزائر جولته في أروقة «المتحف»، يدفعه الشغف إلى تخليد هذه التجربة الاستثنائية بتذكار يحمله معه إلى بيته. ومن هنا، يأتي دور متجر «النقوة»، الذي تسلط الضوء عليه هند الخوري، مدير إدارة التسويق والاتصال في «متحف زايد الوطني»؛ إذ تؤكد أنه يمثل امتداداً حياً للتجربة المتحفية، حيث تجسد كل قطعة فيه هوية دولة الإمارات، وتراثها، وسرديتها. ولا يتوقف الأثر عند حدود الاقتناء، بل يمنح المتجر كل زائر فرصة الاحتفاظ بجزء أصيل من رحلته الثقافية.

وتستمد كلمة «النقوة» حضورها من الأصالة؛ فهي مفردة متجذرة في اللهجة الإماراتية، وتعني خيار الشيء، وأفضله، وتُعبر عن التقاليد الأصيلة للضيافة، والكرم. وتجسيداً لهذا المفهوم، يضم المتجر قطعاً صُممت خصيصاً للمتحف، وشراكات إبداعية مع مصممين إماراتيين، إلى جانب منتجات منتقاة بعناية من السوق المحلي. وتتنوع هذه المعروضات بين قطع مستوحاة من العمارة الهندسيّة للمتحف ومقتنياته، ومنتجات تخلد إرث المغفور له الشيخ زايد، من خلال الرموز، والسرد القصصي العميق.

وتوضح الخوري أن الشراكات، التي يبرمها متجر «النقوة» مع الجيل الجديد من المصممين الإماراتيين، تشكل امتداداً طبيعياً لمسيرة الإبداع في الدولة، مضيفةً: «تضم مقتنيات (المتحف) قطعاً أبدعتها، قديماً، أيادٍ حِرَفية من المجتمع المحلي، لا سيما الحُليّ والمجوهرات، التي أضحت اليوم جزءاً من تراثنا الوطني المحفوظ للأجيال القادمة. واليوم، يستلهم المبدعون المعاصرون أعمالهم من هذا الإرث الغني؛ لتقديم صياغات تعكسه بروح حديثة، ونأمل أن تحظى بالتقدير ذاته، وأن تتوارثها الأجيال القادمة بكثير من الفخر».

وتضيف الخوري: «لا تقتصر أهمية هذه الشراكات على المنتج النهائي، بل تمتد لتشمل فلسفة الإبداع، ومراحل التطوير ذاتها. فنحن نعمل، جنباً إلى جنب، مع مبدعين يمتلكون رؤية عميقة؛ لقراءة السياق الثقافي، وتقديمه بمنظورهم الخاص، ما يمنح كل قطعة أصالتها الفريدة، مُتَوَّجةً بلمسة عصرية. ومن خلال هذا النهج، يغدو متجر (النقوة) منصة حقيقية لدعم المواهب المحلية، وتعميق ارتباط الزوار بسردية دولة الإمارات، وتراثها الثقافي العريق».

وفي منتصف رحلة الاستكشاف، يتوقف الزوار؛ لتأمل المعارف والقصص، التي دفعتهم إلى زيارة المتحف، و تجيء الضيافة والطهي؛ ليضفيا بُعداً حسياً واجتماعياً يُكمل روعة التجربة. وعبر تجاوز المفاهيم التقليدية؛ لتقديم المأكولات والمشروبات، تتحول وجهات، مثل: مطعم «إرث»، ومقهى «الغاف»، ومقاهي «حديقة المسار»، إلى منصات مبتكرة تستلهم البيئة المحلية؛ لتمتد بسردية «المتحف» إلى ما بعد صالات العرض، وتفتح آفاقاً جديدة؛ لدعم المواهب الوطنية، وتمكينها من الظهور، والنمو.

وتُعرب الخوري عن فخرها بـ«مبادرة المواهب الإماراتية»، التي تهدف إلى تمكين رواد الأعمال الشباب من تطوير مشاريعهم، وتقديم مفاهيمهم الإبداعية في أحضان «حديقة المسار»، عبر إطار عمل متكامل يجمع بين: الابتكار، والارتباط الثقافي، والاستدامة طويلة الأمد. وتتجلى هذه المبادرة في صياغة مساحات حيوية، مدروسة بعناية، وترتبط بهوية «المتحف»، مع احتفاظها بطابعها الخاص، مع التركيز على دقة الأجواء، وسلاسة السردية، وانسيابية حركة الزائر؛ لتمنحه شعوراً بخصوصية المكان، وتقدم في مقاهي الحديقة واحة نابضة بالحياة، تجمع بين الحداثة المعاصرة، والجذور التراثية الأصيلة.

  • فاطمة الجاسم

فاطمة الجاسم: إمكانية الوصول مهنة ورسالة:

تتسع تجربة الزائر في «متحف زايد الوطني»؛ لتروي قصة دولة الإمارات، التي تحتضن الجميع. ومن هنا، تجسد «إمكانية الوصول» جوهر رسالة «المتحف»، وفلسفته. ولترجمة هذه الرؤية، يكرس «المتحف» قسماً خاصاً؛ للمشاركة المجتمعية، وإمكانية الوصول، ويأتي في طليعته دور فاطمة الجاسم كأخصائية في هذا المجال؛ حيث لا تنتهي مسؤوليتها عند حدود العمل المهني، بل تمتد لتجسد رحلتها الشخصية، وتجاربها الحية؛ كونها من أصحاب الهمم. وتوضح فاطمة أنها عاشت حياتها تتنقل في عالم لم يراعِ دائماً احتياجات الجميع، ما دفعها إلى جعل مناصرة أصحاب الهمم رسالتها الأسمى، وتلخصها في سؤال دائم، ومحوري: كيف يمكننا إعادة تشكيل بيئاتنا؛ لتصبح أكثر شمولاً، واستيعاباً للجميع؟!

وتضيف الجاسم: «بوصفه مؤسسة ثقافية تصون تاريخ دولتنا، يقع على عاتق (المتحف) جعل (إمكانية الوصول) أولوية رئيسية، ما يضمن إتاحة تجربة زيارته أمام الجميع دون استثناء. ومن هذا المنطلق، يمثل عملي في (متحف زايد الوطني) امتيازاً استثنائياً؛ فكل يوم أقضيه في جنبات هذا الصرح يرسخ ارتباطي بسردية هذه الأرض، وبالإرث الخالد للمغفور له الشيخ زايد، كما يذكرني بمسؤوليتي تجاه الوطن، المتمثلة في جعل قصته الملهمة حقيقة مدمجة، ومتاحة لأطياف المجتمع كافة».

وتجسيداً للالتزام بالشمولية في تجربة الزائر، يوفر «المتحف» باقة متكاملة من البرامج، والخدمات المبتكرة، وفي مقدمتها: «غرفة السكينة»، وبرنامج «صباح السكينة»، إلى جانب مسارات ومصاعد مجهزة للكراسي المتحركة، ومحطات لمسية، ووسائل شرح متعددة الوسائط كطريقة «برايل». وتكتمل هذه المنظومة بالخارطة الحسية، والأدلة البصرية، التي تضمن تجربة مريحة وسلسة؛ لتلبية تطلعات مختلف أفراد المجتمع؛ ومنهم: أصحاب الهمم، وكبار المواطنين، والمصابون بضعف الذاكرة، والعائلات، ومقدمو الرعاية.

وترى الجاسم أن جوهر رسالة «المتحف» يتجاوز حدود الخدمات والبرامج؛ فيمتد نحو بناء ثقافة مؤسسية تجعل الزائر جزءاً أصيلاً من قصته، وتكرس رؤية تنظر إلى كبار المواطنين، وأصحاب الهمم؛ بوصفهم شركاء فاعلين، يثرون التجربة المتحفية بأكملها. وتختم فاطمة حديثها بالقول: «إن انتمائي إلى مؤسسة لا تكتفي بسرد حكاية دولة الإمارات، بل تحرص على أن تصل هذه الحكاية للجميع، يمنح عملي بُعداً إنسانياً عميقاً، ينسجم مع التزامي الشخصي ببناء بيئات أكثر شمولاً، واستيعاباً، للجميع».