يتسلل الهاتف الذكي إلى تفاصيل الحياة اليومية للأم، من العمل، والتواصل، إلى الترفيه. لكن تكرار الانشغال به أثناء وجود الطفل قد يؤثر في جودة التفاعل بينهما، خصوصاً عندما يلاحظ الطفل أن انتباه والدته ينتقل مراراً من حديثه، أو لعبه إلى الشاشة.
ولا يعني ذلك أن الطفل يغار من الهاتف كجهاز، بل يشعر بأن جزءاً من اهتمام والدته أصبح موجهاً إلى شيء آخر. ففي سنواته الأولى، يعتمد على التواصل البصري، والاستجابة المباشرة، والحديث، واللعب؛ ليشعر بالقرب والأمان، لذلك يلتقط، سريعاً، لحظات انقطاع الانتباه، حتى إن لم يعبر عنها بالكلمات.
-
هل يغار الطفل من انشغال والدته بهاتفها؟
وقد يظهر هذا الشعور من خلال سلوكيات مختلفة، مثل: تكرار النداء على الأم، أو مقاطعتها أثناء استخدام الهاتف، أو محاولة أخذه من يدها، أو البكاء والغضب؛ عندما تنشغل به عنه. وفي كثير من الأحيان، لا تكون هذه التصرفات محاولة للإزعاج، بقدر ما تكون وسيلة، يستعيد بها الطفل التواصل الذي انقطع.
ويحتاج الطفل إلى أكثر من مجرد وجود والدته في المكان نفسه؛ فالنظر إليه أثناء الحديث، والاستماع لما يقوله، ومشاركته اللعب، كلها تفاصيل تمنحه شعوراً بأن ما يفعله، ويقوله، يحظى بالاهتمام. كما تساعد هذه اللحظات على تشجيعه على التواصل، وبناء ثقته بنفسه.
وفي المقابل، قد يصبح التشتت المتكرر أكثر وضوحاً؛ عندما يكون الهاتف حاضراً في معظم الأوقات المشتركة، مثل: الوجبات، أو اللعب، أو قبل النوم، أو خلال اللحظات التي يحاول فيها الطفل مشاركة والدته شيئاً مهماً بالنسبة إليه. ومع تكرار ذلك، قد يقل حجم التفاعل الحقيقي بين الطرفين، حتى إن كانا يقضيان وقتاً طويلاً معاً.
والوصول إلى التوازن لا يعني التخلي عن الهاتف، أو الشعور بالذنب عند استخدامه؛ فالهاتف أصبح أداة ضرورية في الحياة اليومية، والمهم هو ألا يتحول إلى مقاطعة دائمة في كل لحظة مشتركة.
ويمكن للأم أن تخصص أوقات قصيرة، يكون فيها انتباهها موجهاً بالكامل إلى طفلها، مثل: وقت تناول الطعام، أو اللعب، أو قبل النوم، مع إبعاد الهاتف قدر الإمكان خلال هذه الفترات، ولا يشترط أن تكون هذه الأوقات طويلة، بل أن تكون واضحة، وخالية من المقاطعات.
-
هل يغار الطفل من انشغال والدته بهاتفها؟
وإذا كان استخدام الهاتف ضرورياً، فيمكن توضيح الأمر للطفل، بدلاً من تركه يحاول، مراراً، جذب الانتباه؛ فعبارة بسيطة، مثل «سأنهي هذه الرسالة.. ثم سأعود إليك»، تساعده على فهم ما يحدث، وتمنحه شعوراً بأن انتظاره معروف، وليس تجاهلاً له.
كما يمكن أن تكون سلوكيات الطفل، نفسها، مؤشراً إلى حاجته لمزيد من التواصل؛ فإذا ازداد إلحاحاً كلما استخدمت الأم هاتفها، أو كرر المقاطعة أو الإزعاج، فقد يكون من المفيد النظر إلى هذه التصرفات؛ باعتبارها رسالة تحتاج إلى انتباه، وليست سبباً للعقاب.
ولا تستطيع أي أم أن تتفرغ لطفلها طوال اليوم، وهذا أمر طبيعي. لذلك، لا تعتمد العلاقة على عدد الساعات التي يقضيانها معاً، بقدر ما تتعلق بجودة اللحظات المشتركة؛ فقد تكون دقائق قليلة من الحديث، أو اللعب بانتباه كامل، أكثر قيمة من وقت أطول يتخلله انشغال مستمر بالشاشة. فالهاتف سيبقى جزءاً من الحياة اليومية، لكن الطفل يحتاج، بين وقت وآخر، إلى أن يشعر بأن الشخص الموجود أمامه حاضر معه فعلاً، وليس موجوداً بجسده فقط.