ما الذي يُرسَمُ في الأعالي؟!.. حيث الرداء الأزرق الممتد بلا نهاية، بين عوالم الذرّ، والأثير، والكون القريب، والطبقات الخفية للوجود!

المطمئنون.. يحاولون، دائماً، نثر السكينة عبر إجاباتهم: الخيوط أثر الملائكة، وأثيرهم اللطيف دليل عبورها، ورسائلهم البيضاء تعبر بريد السماء الأزرق. وتقول الروح المبدعة، والمتأملة، والهانئة بالمشهد: الخيوط تُكتب كأثر جمالي، مُحرِّض على اتساع الزرقة؛ فالسماء صفحة من دفتر عظيم، تُخطُّ فيه رسائل غامضة، ومدونات لكيانات مجهولة. أشياء بين الرسم الريشي السماوي، والندبة، والكتابة المؤقتة على صفحة نظن أننا نعرف، من خلالها، مقياس الحياة والموت.

أُفكِّر.. كما يُفكّر الطفل، الذي رفع رأسه نحو تلك الخيوط.. وتساءل: هل السماء تُجْرَح؟!

كانت الخيوط البيضاء تمتد فوق البلدة، كأن في الأعالي مَنْ يواصل خياطة السماء بعد انشقاقٍ قديم، وكأنَّ صدْعاً هناك، ويداً خفية ترتق السماء، بعد انشقاقها الأول. ولم نكن نعرف إن كانت الطائرات تكتب رسائل سرية، أم تمحو شيئًا من زرقة العالم!.. كنا نرفع رؤوسنا طويلًا، وكان السؤال، في الغموض نفسه، شكلاً من أشكال الافتتان بالجمال!

خيوط السحاب، أو خيوط الدخان البارد.. أهي تواقيت تزدهر، من خلالها، تنبؤات الفصول الأربعة؟!.. أم أنها طيف لحركة روح أزلية، روح زائرة للأحباب، أو عابرة نحو الجهات الأخرى من الكون، أو منسية تماماً، وعالقة؟!.. وربما هي أثر حضارة عابرة، فوق البراءة الأولى للسماء!

يا لهذا الجمال المرتبط بالريبة!.. إذ تبدو الأشياء الغامضة جميلةً أحيانًا!

يقول المتطيرون من الأسلاف: إنها «خيوط الجن» تعبث بمزاج المناخ، والأنواء الجوية. وهناك رأي يرتكن إلى المؤامرة: إنه «الكيمتريل»؛ فالطائرات ترش مواد؛ للتحكم في المناخ، أو في البشر. ومن رؤية علمية، ينفي بعض العلماء ذلك الزعم: ما يُرى، غالبًا، هو خطوط التكاثف الناتجة عن بخار الماء، وعوادم الطائرات في طبقات الجو الباردة.

ونعود إلى «عين الفنان»، الذي يعيش في هدوئه العبثي الخاص، متأملاً، ومتوهجاً ببذرة الفكرة الخلاقة، نائياً بروحه عن توترات الظن، واللحاق وراء الحقائق الباهتة، والأقاويل الجدلية الصاخبة المزعجة لفضاء خياله. يعيش الفنان سابحاً في حدسه الفطري، فالفن لا يبحث، دائمًا، بين قالب السؤال الجامد: «هل هذا حقيقي؟!».. بل يبحث في السؤال الكامن: «ما الذي يتحرك في الروح، عبر ذلك المشهد؟!».. وكل ما يهم الفنان من ذاك المشهد البصري الأخاذ، ليس جانب المؤامرة والصراع طبعاً، ولا الحقائق العلمية والتنظيرات، وإنما يهمه الجانب الجمالي والوجودي، المتوالد من خلال يقظة الشعور - الاستشعار الدائم بوجود مساحة أدبية فنية خصبة جداً في السماء، مساحة داعمة للخيال العَطِش نحو التأويل، والتصوُّر، والاحتمال الشعري، مساحة من الأثر البصري الموقِظ لشعور أزليّ قديم!