منى المطروشي: الوعي الأسري المبكر يصنع أثراً مستداماً
بصوت التجربة، التي صاغها الاحتكاك اليومي بالناس، والإيمان بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان قبل البرامج.. كان لـ«زهرة الخليج» هذا الحوار مع سعادة منى صقر المطروشي، مدير عام جمعية عجمان للتنمية الاجتماعية والثقافية. وبين العمل الاجتماعي والثقافي، تنسج سعادتها رؤية تجد في الوعي الأسري استثماراً مبكراً لا يعطي نتائج آنية فقط، بل يصنع أثراً مستداماً ينعكس على المجتمع بأكمله. كما تؤمن بأن الإصغاء فعل تنموي، وأن الثقافة والهوية ممارستان يوميتان، تحميان المجتمع، وتمنحانه تماسكه.. في حديثها، تفتح سعادة منى صقر المطروشي نافذة على تجربتها الإنسانية، وتبين كيف يمكن للقيم أن تتحول إلى مبادرات، وأن يصبح للثقة أثر، وأن يكون الإنسان محور كل تنمية حقيقية:
بعيداً عن المنصب الوظيفي.. مَنْ منى المطروشي؟
أنا إنسانة، تشكّلت من التجربة قبل المنصب؛ فتعلمت أن المسؤولية الحقيقية لا تُقاس بحجم الدور، بل بعمق الأثر. وقبل أن أكون مسؤولة، فأنا امرأة تؤمن بأن القرب من الناس، والقدرة على الإصغاء إليهم، هما أساس أي عمل اجتماعي ناجح. هذا ما تعلمته منذ بداية مسيرتي، من خلال المواقف المتكررة، حين كان يأتيني أشخاص من المجتمع المحلي، لا أعرفهم شخصياً، لطلب توجيه، أو مساعدة لا تدخل ضمن نطاق عملي المباشر؛ فأدركت - ساعتها - أن الناس لا يبحثون فقط عن جهة تساعدهم، بل عن إنسان يسمعهم. ومع الوقت، فهمت أن دوري يتجاوز الوصف الوظيفي إلى مسؤولية أخلاقية وإنسانية، تجاه كل من يطرق الباب.. بثقة!
-
منى المطروشي: الوعي الأسري المبكر يصنع أثراً مستداماً
تقوية العلاقات الاجتماعية
ما التحدي الأصعب في تحويل القيم الإنسانية إلى برامج واقعية تمس حياة الناس، وكيف تغيّر مفهوم التنمية الاجتماعية في الإمارات حالياً؟
التحدي الأكبر هو تحويل الشعور الإنساني إلى مبادرة واعية، قابلة للتطبيق؛ فقيم كثيرة تتشكل من موقف بسيط، أو قصة مؤثرة، لكن الأهم هو التقاط هذا الشعور، وتحويله إلى فكرة ناضجة، تُشرك المجتمع، وتفتح نقاشاً واعياً، ولا تبقى مجرد ردّة فعل عاطفية. اليوم، تغير مفهوم التنمية الاجتماعية، بالإمارات، من تلبية الاحتياجات الأساسية إلى بناء الإنسان، وتمكينه معرفياً ونفسياً واجتماعياً. فلم تعد التنمية مرتبطة بالدعم فقط، بل أيضاً بالوقاية، وبناء الوعي، وتعزيز جودة الحياة.
ما أفضل الطرق؛ لتعزيز الهوية الوطنية، وهل يمكن للثقافة أن تكون أداة حماية اجتماعية؟
الهوية الوطنية تكون أكثر تأثيراً حين تُمارَس في الحياة اليومية، وحين يراها الطفل في احترامه للآخر، والشاب في تحمّله المسؤولية تجاه مجتمعه، عندها ستكون حاضرة دون خطاب مباشر. أما الثقافة، فهي من أهم أدوات الحماية الاجتماعية؛ لأنها تبني مرجعية أخلاقية مشتركة، وتحمي المجتمع من التفكك. وموروثنا الثقافي في الإمارات - المستند إلى قيم الدين الإسلامي الحنيف، والعادات الأصيلة - يُمارَس كنمط حياة يبدأ من القيادة الرشيدة، ويمتد إلى المجتمع. لذلك، نحرص على أن تكون مبادراتنا الثقافية جسوراً حيّة، تنقل هذا الإرث إلى الأجيال بأسلوب معاصر.
هل تغيّر تفاعل الشباب مع العمل الثقافي، والاجتماعي؟
الشباب، اليوم، أكثر وعياً، وأقل تقبلاً للدور التقليدي؛ فهم يريدون أن يكونوا شركاء لا متلقين، ويبحثون عن التجربة، والأثر، ومساحة التعبير. وهذا يدفعنا إلى إشراكهم في التخطيط، والتنفيذ، ودمجهم مع الأجيال الأكبر سناً؛ لأن التكامل بين الخبرة، والمهارة الرقمية، يصنع حضوراً صادقاً، ومؤثراً.
كيف ترين دور المرأة القيادية في قلب العمل الاجتماعي.. وكامرأة هل صنع هذا فارقاً في مسيرتك؟
المرأة القيادية تضيف بُعداً إنسانياً عميقاً؛ لقربها من تفاصيل الحياة اليومية؛ فقدرتها على الموازنة بين الحزم والاحتواء تجعل الخطاب الاجتماعي أكثر قرباً من الناس، وأكثر واقعية. وفي كثير من المواقف، خاصة القضايا الاجتماعية الحساسة، كان للبعد العاطفي، والإصغاء الحقيقي، أثر كبير في اتخاذ القرار الصائب. وفي القضايا التربوية المتعلقة بالأطفال والمراهقين، أضفت - كامرأة، وبخبرتي التربوية - فهماً أعمق، وقرارات أكثر استدامة.
شعور بالقيمة
في العمل الاجتماعي.. كيف تُقاس النجاحات، التي لا تظهر بالتقارير، والأرقام؟
النجاحات غير المرئية تُقاس بالثقة المتراكمة، وبالتحولات الهادئة، التي تحدث مع الوقت؛ حين يعود أي مستفيد؛ ليصبح متطوعاً، أو حين يذكّرك شخص بموقف إنساني قد نسيته.. حينها تدركين أن الأثر الحقيقي أصبح واقعاً.
ما المساحة، التي تطمحين إلى توسيعها في عمل «الجمعية»؟
أحلم بتوسيع مساحة الوقاية والتمكين، خاصة في مجالات: الأسرة والشباب والهوية؛ لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، قبل أن يصل إلى مرحلة الاحتياج. وأرى أن تكوين الأسرة السليمة، وأساساتها الصحيحة، من أهم محاور العمل المجتمعي، بل حتى قبل الزواج، من خلال التوعية، وبناء الوعي الأسري، وتعزيز مفاهيم: المسؤولية، والتفاهم، والاستقرار. فالأسرة المتماسكة خط الدفاع الأول للمجتمع، وكلما بدأ الاستثمار فيها مبكراً، كان الأثر أعمق، وأكثر استدامة.