نجاة مكي: المرأة رمز للقوة والجمال
«الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية».. هكذا اختصر الرسام العالمي، بابلو بيكاسو، تلك العلاقة الأزلية بين ريشة المبدع، وكينونة الإنسان. ومن هذا الانعتاق الروحي، تَبْرز الفنانة نجاة مكي كحالةٍ إبداعيةٍ استثنائية، لم تكتفِ بتوثيق ملامح الأرض، بل أعادت صياغة «الذاكرة البصرية» لبلادها عبر فلسفةٍ، قوامها: الضوء واللون، ناقلة سكينة «الواحات» إلى فضاءات العالمية. فمن خلال ريشتها تحرس الجمال الفطري، لأن الفن لديها يبدأ من الانتماء إلى الأرض؛ وينتهي بمعانقة قضايا المرأة والطفولة. وفي عوالمها، يصبح «الأزرق» لغة للروح، و«التركواز» ملاذاً للتأمل؛ لتثبت أن وجدان المبدع هو المعقل الأخير للأصالة في وجه الحداثة المتسارعة.. في حوارنا معها، نستحضر تفاصيل حكايتها، التي تشبه «باليت ألوان» لا تنتهي.
-
نجاة مكي: المرأة رمز للقوة والجمال
حدثينا عن بداية تشكل ملامح الفنانة بداخلكِ!
بدأ الأمر «انجذاباً روحياً» فطرياً؛ حيث كانت طاقتي الإبداعية تتبدى في الهدوء والسكينة الفنية؛ فأفرغها «فيضاً داخلياً» فوق الجدران، والأوراق. وكانت معلمتي أول من آمن بموهبتي، فوضعتني على «أول الطريق»، ومنحتني أبعاداً نفسية سكنت روحي. هذا الشغف قادني، لاحقاً، إلى المسار الأكاديمي. وبعد حصولي على درجة «الماجستير» من مصر، خلال السبعينيات، عملت بوزارة التربية والتعليم بالإمارات، وهي المرحلة التي اعتبرتها «مختبراً عملياً» صقل خبراتي، وأتاح لي، بالتعاون مع فنانين زملاء، المساهمة في تأسيس «جمعية الإمارات للفنون التشكيلية»؛ لنشر الفن برؤية بصرية تبني أجيالاً تتذوق الجمال.
مسار تشكيلي
من البدايات، وحتى اليوم.. ما طبيعة المسار، الذي سلكته الحركة التشكيلية، وما الذي يمثله الفن بالنسبة لك؟
لقد انتقلنا من مرحلة التعبير التلقائي عن البيئة، ومنها: النخلة، والخيمة، إلى مرحلة «سيطرة الفكرة»، والتقنيات الحديثة. اليوم، أصبح الفن ركيزة أساسية في تنمية الدول الحديثة. مسيرة نجاحي لم تكن سهلة، بل جاءت نتيجة تضحيات وسهر وجهد؛ فالفن - بالنسبة لي - ليس مجرد مهنة، بل هو كل الحياة، وطموحي فيه يلامس السماء.
-
نجاة مكي: المرأة رمز للقوة والجمال
كيف انعكست نهضة الإمارات، وتطورها، على هويتكِ الفنية؟
الفنان ابن بيئته، وقد ولدتُ في قلب «سوق دبي الكبير»، المطل على الخور؛ فاستقيتُ مفرداتي الفنية الأولى من حركة الناس، والألوان، والزخارف. ورغم أن المجتمع - في البدايات - كان محافظاً تجاه الفن، إلا أن التحول الذي شهدته الدولة شكّل بيئة محفزة؛ جعلتني أوظف تلك الرموز التاريخية، والجمالية، في بناء هوية بصرية تعبر عن روح المكان.
نلتِ «وسام فارس» من فرنسا، وتتبنين قضايا إنسانية عدة.. فأين تجدين نفسكِ اليوم؟
التكريم يؤكد أن صوت الفنان قد وصل، لكنه يضعني أمام مسؤولية أكبر تجاه الإنسانية، وقضايا العالم، ومنها: حقوق الطفل، والبيئة. أما القضية الأقرب إلى قلبي فهي «المرأة»؛ لأنها المحور والرمز، والبداية والنهاية. والمرأة، عندي، هي «الحب، والحضن، والوطن»؛ لذا أوظف الخطوط والكتل والألوان؛ لأصوغ قضايا تمس الوجدان، وتدعو إلى الحفاظ على موروثنا، وجمال كوكبنا.
-
نجاة مكي: المرأة رمز للقوة والجمال
إيقاع خاص
ما سرُّ سطوة «الأزرق»، ودرجات «التركواز» على لغتكِ البصرية، وحكاياتكِ اللونية؟
اللون لديَّ هو «الحكاية» التي تروي ما عجزت عنه الكلمات، واللغة التي أخاطب بها وجدان المتلقي؛ فهو ليس مجرد زينة، بل صوتٌ له رنين، وإيقاع، يعكسان أبعاداً كامنة في العقل الباطن. أما انحيازي إلى اللون «الأزرق»، فلكونه لون «الروح»، وصفاء السماء والبحر، ورفيقاً مخلصاً للحظات التأمل. و«التركواز» مزيجٍ مثالي يحقق لي الإشباع النفسي والروحي؛ فهو يستحضر في ذهني جمال الطاووس، الذي أعتبره إعجازاً إلهياً في تناسق الألوان.
ماذا عن «السفر» في حياتكِ، وكيف تترك الأماكن بصمتها في وجدانكِ؟
علاقتي بالأمكنة عميقة جداً؛ فحتى لو مكثتُ فيها ساعات فقط، تنشأ بيننا رابطة خاصة؛ فالمكان يحمل قصص البشر، وأرواحهم، وذكرياتهم. لذلك، تترك المدن والفنادق والبيوت بصماتها في وجداني، فبعضها يرتبط بلحظات فرح، أو لقاءات مؤثرة، وأخرى تستحضر أشخاصاً أحبهم، أو مراحل مهمة من حياتي. هذا «التفاعل العاطفي» مع الأمكنة جزء من طبيعتي وهويتي، ومصدر دائم للإلهام، والتأمل.
-
نجاة مكي: المرأة رمز للقوة والجمال
ما المحطات اللونية، التي تختارينها؛ لتروي قصة الإنسان، والوطن؟
أولاً: سأختار البرتقالي والأحمر والأصفر؛ لأجسد بها «كتلة الصحراء»، ورمالها الذهبية، وأرسم من خلالها «المرأة البدوية»، التي لعبت دوراً محورياً وتاريخياً في المجتمع الإماراتي منذ القدم. وثانياً: الأخضر مع مسحة من الأزرق؛ لأصمم وشاحاً لامرأة تجلس في الواحات الخضراء، تتأمل شجر النخيل في «واحات العين» بروح هادئة. وأخيراً: أختار الأبيض مع خطوط ذهبية، لأرسم بها «النقاء»، الذي يتميز به شعب الإمارات، وحكومتها، مجسدةً قِيمتَي: السلام، والمحبة، اللتين تفيض بهما أرضنا.
بمناسبة «يوم المرأة الإماراتية»، كيف تلخصين مسيرتها، وما رسالتكِ للمبدعة الشابة؟
مسيرة ابنة الإمارات مسارٌ استراتيجي طموح، حقق إنجازات وطنية وعالمية صاغت بها مكانة استثنائية ذاتية ومجتمعية، وتطلعاتها اليوم تسابق الزمن. ورسالتي للشابات: ثقن بقدراتكن، وواصلن الابتكار بوعي وأصالة؛ فالقادم أجمل بكن.