تُعد الرضاعة الطبيعية الركيزة الأولى لبناء صحة الأجيال، وتتجاوز قيمتها كونها وسيلة لتغذية الرضيع فقط، إلى نظام حيوي متكامل، يضمن الوقاية المستدامة.. وفي هذا السياق، تقدم نجوى بوعيد، استشارية الرضاعة الطبيعية في «مدينة الشيخ شخبوط الطبية»، بأبوظبي، رؤية علمية وعملية شاملة حول الأبعاد المناعية، والجسدية، والنفسية، لهذه التجربة الطبيعية، موجهةً نصائحها الذهبية إلى الأم العاملة، وكاشفةً عن الموانع الطبية الحقيقية، التي تستدعي اللجوء إلى البدائل الأخرى، دون شعور بالتقصير.
الهوية العلمية لحليب الأم
أوضحت نجوى بوعيد أن حليب الأم يُعد برنامجاً ذكياً ومتكاملاً للتغذية والمناعة؛ فهو يحتوي على خلايا حية، وأجسام مضادة، وهرمونات تتغير باستمرار؛ لتتوافق مع احتياجات الطفل اللحظية، حسب عمره، ومرحلة نموه. وأضافت أن منظمتَيْ: «الصحة العالمية»، و«اليونيسف»، تضعان الرضاعة الطبيعية على رأس أولويات الصحة العامة؛ كونها بمثابة «أول لقاح للطفل» يخفض معدل وفيات الرضع، ويدعم نمو الدماغ، ويقلل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة مستقبلاً، ومنها: السمنة، والسكري من النوع الثاني، فضلاً عن حماية الأم من سرطانَيْ: الثدي، والمبيض.
خط الدفاع الأول
وعن التحديات، التي يواجهها الرضع في الجهازَيْن: «الهضمي، والتنفسي».. أشارت استشارية الرضاعة الطبيعية إلى أن حليب الأم يمثل خط الدفاع الأول؛ حيث تكسو الأجسام المضادة بطانة الأمعاء، فتمنع التصاق الجراثيم بها؛ ما يدعم تشكيل «ميكروبيوم» صحي، ويقلل نزلات البرد، والالتهابات الرئوية، والتهابات الأذن. وفي ما يخص هواجس «السمنة»، و«سكري الأطفال»، أكدت نجوى بوعيد أن الرضاعة الطبيعية تبرمج التمثيل الغذائي للطفل، وتنظم شهيته بشكل طبيعي، عبر هرمونات حيوية تعزز استجابته لإشارات الشبع، وتدعم النمو الصحي للبنكرياس، وآليات التحكم في سكر الدم؛ ما يجعله استثماراً صحياً طويل الأمد.
تعافي الأم.. وصحتها النفسية
تقول استشارية الرضاعة الطبيعية: «ولا تقتصر الفوائد على الرضيع، بل تمتد لتشمل الأم؛ حيث تساهم الرضاعة الطبيعية في وقاية النساء من أشرس أمراض العصر، بخفض التعرض للهرمونات المسببة للسرطان، وتجديد خلايا الثدي تلقائياً». وعن التعافي الجسدي والنفسي بعد الولادة، لفتت بوعيد إلى أن الرضاعة تحفز إفراز هرمون «الأكسيتوسين»، الذي يساعد الرحم على الانقباض، والعودة إلى حجمه الطبيعي، ويقلل النزيف، فضلاً عن دور هـــرمــونَـــــــيْ: «الأكســيتوســــــين»، و«البرولاكتين»، في خفض هرمونات التوتر، وتعزيز مشاعر الاسترخاء والارتباط العاطفي؛ ما يقلل فرص الإصابة بـ«اكتئاب ما بعد الولادة».
دليل الأم العاملة.. وتصحيح المفاهيم
وفي ما يتعلق بالتحديات، التي تواجه المرأة العاملة، نصحت نجوى بوعيد بالتخطيط المسبق، عبر الجمع بين الرضاعة المباشرة في المنزل، والشفط المنتظم كل 3 ساعات أثناء العمل.. وأردفت، قائلةً: «يجب أن يبدأ شفط الحليب، وتخزينه في الثلاجة، قبل العودة إلى العمل بأسابيع عدة، مع تعويد الطفل على تناوله بالوسيلة المناسبة لعمره»، مشددةً على أهمية تناول الأم غذاءً متوازناً. وعن المفهوم الشائع بأن الحليب الاصطناعي أفضل؛ لأنه يمنح الطفل وزناً أسرع، صححت استشارية الرضاعة الطبيعية هذا المعتقد، مؤكدةً أن زيادة الوزن السريعة ليست مؤشراً إلى صحة أفضل، وأن حليب الأم يضمن نمواً جسدياً ودماغياً متوازناً. كما ذكرت أن الصعوبات الأولى، مثل: تأخر إدرار الحليب، أو آلام الرضاعة، تنتج غالباً عن الالتقاط غير الصحيح للثدي، أو التوتر، ويمكن علاجها بالاسترخاء، والتلامس الجلدي، واستشارة المختصين.
موانع طبية.. واتزان نفسي
وفي ختام حديثها، وجهت نجوى بوعيد، استشارية الرضاعة الطبيعية في «مدينة الشيخ شخبوط الطبية»، بأبوظبي، رسالة إنسانية إلى الأمهات اللواتي يواجهن ضغوطاً مجتمعية؛ عند العجز عن الرضاعة، مؤكدةً أن الأمومة الناجحة لا تُقاس بكيفية تغذية الطفل، بل بالحب والأمان، اللذين تحيطه بهما. وبينت أن هناك موانع طبية حقيقية تجعل الاعتماد على البدائل خياراً آمناً، وضرورياً؛ منها ما يتعلق بالأم كالإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، أو تناول أدوية العلاج الكيماوي والمناعي، أو وجود قروح «الهربس» على الثدي، ومنها ما يتعلق بالطفل كالإصابة باضطرابات وراثية نادرة، مثل «الجلاكتوزيميا»، التي تمنع هضم سكر الحليب. وفي هذه الحالات، يُعد الحليب الاصطناعي بديلاً مسؤولاً، يضمن نمو الطفل، ويحافظ على السلام النفسي للأم.
4 أسئلة.. وأجوبة
1. ما «الساعة الذهبية» الأولى بعد الولادة، وكيف تُحدد نجاح الرضاعة؟
هي أول ساعة بعد الولادة مباشرة، ويُوضع فيها الرضيع مستقراً طبياً، وملامساً لجلد أمه لستين دقيقة على الأقل؛ لتحفيز نمطه الفطري في الرضاعة، وتعزيز الرابط العاطفي، وتنظيم دقات قلبه، وتنفسه، وسكره، فضلاً عن إفراز هرمون «الأكسيتوسين»، المدر للحليب، والمقلل للنزيف.
2 . ما مدى صحة التأثير الوقائي للرضاعة الطبيعية في صحة الأم؟
تأثيرها مثبت؛ لأن الرضاعة الطبيعية تستهلك الدهون المتراكمة في الحمل لإنقاص الوزن، ومحيط الخصر؛ ما يُحسن حساسية الإنسولين، وينظم الكوليسترول. كما تُقلل الإصابة بأمراض القلب، والسكتات الدماغية، والسكري من النوع الثاني، لا سيما لمن أُصبن بـ«سكر الحمل».
3. هل تختلف تركيبة حليب الأم في الليل عنها في النهار؛ لتنظيم نوم الرضيع؟
نعم؛ فحليب الليل غني بهرمون «الميلاتونين»، وأحماض «التريبتوفان» المحفزة على الاسترخاء، والنوم. بينما يرتفع في حليب النهار هرمون «الكورتيزول»، المعزز لليقظة؛ ما ينقل إلى الطفل إشارات حيوية عبر الساعة البيولوجية للأم، تمكنه من تمييز الأوقات.
4. كيف تُساهم الرضاعة الطبيعية في تعزيز الاستدامة، وتقليل البصمة الكربونية؟
تعد الرضاعة الطبيعية نظاماً بيئياً متجدداً ومجانياً؛ فهي لا تحتاج إلى تصنيع، أو شحن، أو تبريد، أو استهلاك طاقة ومياه، كما أنها خالية تماماً من النفايات البلاستيكية والمعدنية، المصاحبة للحليب الاصطناعي؛ ما يقلل البصمة الكربونية للأسرة، ويحمي كوكب الأرض.