لم يكن الطريق إلى عالم السرعة، بالنسبة إلى آمنة القبيسي، مجرد انتقال من مقعد إلى آخر، ولا مجرد هواية بدأت بحب السيارات، بل كان رحلة طويلة من التدريب، والمنافسة، والإصرار، انتهت بأن أصبحت من أبرز الأسماء الإماراتية، والعربية، في رياضة سباقات السيارات.

  • نافست وفازت.. آمنة القبيسي أول سائقة سباقات إماراتية تدخل المنافسة من أوسع أبوابها

واختارت آمنة أن تدخل المنافسة من أوسع أبوابها، وأن تثبت أن مِقْود سيارة السباق لا يميز بين الجنسين، وإنما يعرف الموهبة، والانضباط، والقدرة على اتخاذ القرار في أجزاء من الثانية.

وبمناسبة يوم المرأة الإماراتية، تَبْرز تجربة آمنة القبيسي؛ بوصفها واحدة من التجارب، التي تختصر جانباً من مسيرة المرأة الإماراتية نحو ميادين جديدة، حيث لا تكتفي المرأة بالحضور، بل تدخل المنافسة، وتسعى إلى الفوز، وصناعة الإنجاز.

بدأت آمنة رحلتها مع «سباقات الكارتينغ»، مستفيدة من البيئة العائلية، التي نشأت فيها على شغف السيارات، والسباقات؛ فوالدها، سائق السباقات الإماراتي خالد القبيسي، كان أحد أبرز مصادر إلهامها ودعمها، ولم يكتفِ بنقل شغفه إلى ابنته، بل ساعدها على اكتساب المهارات، التي تحتاجها لدخول عالم السباقات باحتراف.

ومن أبوظبي (مسقط رأسها)، انتقلت آمنة إلى المنافسات الأوروبية، لتخوض تجربة أكثر احترافاً، وتواجه سائقين من مدارس سباقات مختلفة. وفي تلك المرحلة، بدأت ملامح مشروعها الرياضي تتضح، من «الكارتينغ» إلى «سيارات المقعد الواحد»، وهي النقلة التي حجزت لها موقعاً خاصاً في تاريخ رياضة السيارات الإماراتية.

وفي عام 2018، أصبحت آمنة أول إماراتية تصل إلى سباقات «السيارات أحادية المقعد»، قبل أن تخوض منافسات «الفورمولا 4» مع فريق «بريما». كما أصبحت أول متسابقة إماراتية تنافس في بطولة «الفورمولا 4» الإماراتية، في إنجاز شكل محطة فارقة في مسيرتها.

ولم يكن الإنجاز مجرد مشاركة رمزية، إذ أثبتت آمنة قدرتها على المنافسة، والفوز. ففي عام 2019، حققت انتصاراً لافتاً في بطولة «الفورمولا 4» الإماراتية، على حلبة مرسى ياس، بعدما تصدرت السباق من بدايته إلى نهايته، متفوقة على منافسين من الرجال، والنساء.

كما أصبحت أول سائقة عربية تنطلق من المركز الأول في سباق «الفورمولا 4»؛ بعد تسجيلها أسرع زمن في التجارب التأهيلية على الحلبة نفسها.

وكانت تلك اللحظات بمثابة إعلان واضح عن موهبة إماراتية جديدة، لا تريد أن تكون مجرد استثناء في رياضة السيارات، بل تسعى إلى بناء مسيرة طويلة في عالم السرعة.

  • نافست وفازت.. آمنة القبيسي أول سائقة سباقات إماراتية تدخل المنافسة من أوسع أبوابها

المنافسة أصبحت رسالة:

ما يجعل تجربة آمنة القبيسي لافتة لا يرتبط فقط بالأرقام والانتصارات، بل أيضاً بالمساحة التي فتحتها أمام حضور المرأة الخليجية في رياضة السيارات. ففي مراحل التدريب، كانت تخصص ساعات طويلة للتمارين الرياضية، إلى جانب قيادة «سيارات الكارتينغ»، والتدرب على أجهزة المحاكاة، لأن السباق لا يُحسم بالسرعة وحدها، وإنما أيضاً باللياقة، والتركيز، والقدرة على التعامل مع الضغط، واتخاذ القرارات السريعة. وكانت رسالتها واضحة: الطموح لا يحتاج إلى موافقة الآخرين، والنجاح يمكن أن يكون أفضل إجابة على التشكيك.

وفي هذا المعنى، لم تعد آمنة تقود سيارة سباق لتحقيق نتيجة شخصية فقط، بل أصبحت تجربتها نفسها رسالة إلى فتيات أخريات قد ينظرن إلى الحلبة من بعيد، ويتساءلن إن كان بإمكانهن أن يكنَّ جزءاً منها.

وبمرور السنوات، واصلت تطوير مسيرتها، وشاركت في منافسات عدة، من بينها بطولات «الفورمولا 3»، و«فورمولا ريجينال»، كما دخلت عالم «F1 Academy»، وهي البطولة التي وفرت منصة عالمية للسائقات الشابات، الراغبات في الوصول إلى أعلى درجات رياضة السيارات. وتُظهر السجلات الحديثة استمرار حضورها في منافسات السيارات الدولية، ما يعكس مسيرة لم تتوقف عند إنجاز واحد.

وفي إنجاز تاريخي غير مسبوق، رسّخت سائقة السباقات الإماراتية المحترفة، آمنة القبيسي، حضور ابنة الإمارات على خارطة الإنجازات الرياضية الدولية، بعد اختيارها ضمن القائمة الافتتاحية المرموقة لمجلة «تايم» الأميركية، لأكثر 100 شخصية تأثيراً في عالم الرياضة لعام 2026، لتدوّن اسمها إلى جانب نخبة من أساطير ونجوم الرياضة العالمية، من بينهم: ليونيل ميسي، وكريستيانو رونالدو، وليبرون جيمس، وكايتلين كلارك.

ويأتي إدراج القبيسي، ضمن قائمة «TIME100 Sport»؛ بوصفه تقديراً دولياً رفيع المستوى لمسيرتها، وإنجازاتها التنافسية في رياضة المحركات، فضلاً عن الدور، الذي تؤديه في توسيع حضور المرأة بهذا المجال، بما يعكس صورة جديدة للرياضية الإماراتية، القادرة على المنافسة في أكثر ساحات الرياضة العالمية تحدياً. كما يشكل هذا الاختيار مصدر إلهام لجيل جديد من المتسابقين، والمتسابقات، في دولة الإمارات، والمنطقة، ويؤكد أن طموح المرأة الإماراتية لا تحدّه حدود، وأن منصات الإنجاز العالمية تفتح أبوابها أمام من يمتلك العزيمة، والمثابرة، والقدرة على تحويل الطموح إلى إنجاز.

وفي يوم المرأة الإماراتية، تبدو قصة آمنة القبيسي أبعد من كونها قصة سائقة سباقات.. إنها حكاية امرأة شابة اختارت مجالاً شديد الصعوبة، ودخلته في سن مبكرة، ثم أخذت تصنع موقعها.. خطوة بعد أخرى!