قد يجد البعض صعوبة في مطالبة الأصدقاء، أو الزملاء، بإعادة المال الذي اقترضوه منهم، رغم أنه حق مالي واضح. ولا يرتبط هذا التردد دائماً بقيمة المبلغ، بقدر ما يتصل بما قد تحمله لحظة المطالبة من حرج، أو خوف من الخلاف، أو القلق من أن تتأثر العلاقة.

ويكشف هذا الموقف أن الحديث عن المال لا يُدار، دائماً، بمنطق الحسابات وحده؛ فالشخص يعرف أن من حقه طلب أمواله، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يبدو أنانياً، أو متطلباً، أو أن تتحول المحادثة إلى مواجهة لم يكن يرغب فيها.

  • لماذا نخجل من طلب استرداد ديون الأصدقاء؟

ويظهر «تجنب النزاع» كأحد أبرز التفسيرات، التي عرضها تقرير إخباري، نشرته صحيفة «Economic Times»، فالذين يفضلون الحفاظ على الانسجام في علاقاتهم مع محيطهم، قد ينظرون، حتى إلى التذكير البسيط بالدَّيْن، باعتباره موقفاً يحمل احتمالاً للحرج. وقد يزداد ذلك لدى من يميلون إلى إرضاء الآخرين، وإعطاء الأولوية لراحتهم على احتياجاتهم الشخصية.

ولا يعني الصمت، دائماً، ضعف القدرة على المطالبة؛ ففي بعض العلاقات، يكون السبب هو اعتقاد أن الطرف الآخر سيتذكر التزامه من تلقاء نفسه، ويرتبط ذلك بما يعرف في علم النفس الاجتماعي بمبدأ «المعاملة بالمثل»، الذي يفترض أن الأشخاص يميلون إلى رد المعروف، والوفاء بما يترتب عليهم داخل العلاقات.

وعندما لا يتم السداد كما هو متوقع، قد تتحول المسألة من انتظار طبيعي إلى شعور بالاستغراب، أو خيبة الأمل، ومع ذلك يستمر بعض الأشخاص في الصمت؛ لأن مطالبة الطرف الآخر مباشرة تبدو لهم أكثر إحراجاً من استمرار الانتظار.

وتلعب «حساسية الرفض» دوراً آخر في تضخيم الموقف، فقد يتوقع الشخص، مسبقاً، أن يغضب صديقه، أو يدافع عن نفسه، أو تتوتر العلاقة بينهما، حتى قبل أن تبدأ المحادثة. ومع تكرار هذه السيناريوهات في الذهن، يصبح تأجيل المطالبة أسهل من اختبار رد الفعل الحقيقي.

كما يمكن «للنفور من الخسارة» أن يزيد تردد صاحب المال، فوفق نظرية الاحتمالات المرتبطة بدانيال كانيمان، وعاموس تفيرسكي، تميل الخسائر إلى ترك أثر نفسي أقوى من المكاسب، لذلك قد يشعر الشخص بأنه خسر المال بالفعل، ثم يتجنب إضافة «خسارة عاطفية» أخرى، تتمثل في نقاش غير مريح، أو خلاف محتمل. لكن تجنب الموضوع لا يحمي العلاقة بالضرورة، فقد يؤدي استمرار الصمت إلى تراكم الاستياء، خصوصاً عندما يشعر أحد الطرفين بأن الآخر يتجاهل التزاماً واضحاً.

ولهذا السبب، من الضروري توضيح أهمية «الحدود الواضحة» في العلاقات المالية بين الأصدقاء، فالاتفاق منذ البداية على قيمة المبلغ، وموعد السداد، ثم التذكير به بصورة مباشرة وهادئة عند الحاجة، يمكن أن تقلل مساحة الافتراضات، وسوء الفهم.

فالحدود لا تعني القسوة، أو تحويل الصداقة إلى علاقة حسابية، وإنما تمنح الطرفين فهماً مشتركاً لما تم الاتفاق عليه. وفي كثير من الأحيان، تكون المحادثة القصيرة والواضحة أقل ضرراً للعلاقة من صمت طويل، تتحول خلاله مسألة مالية صغيرة إلى مصدر دائم للتوتر.