من دبي بدأت الحكاية.. امرأة حملت الكاميرا إلى المكان الذي لم يكن مألوفاً للنساء، وقررت أن تروي قصصاً تشبه مجتمعها، بكل ما فيه من أسئلة ومشاعر وتناقضات.
نايلة الخاجة لم تدخل عالم السينما بحثاً عن لقب، بل دخلته بدافع شغف طويل، وإيمان بأن الحكاية الإماراتية والعربية تستحق أن تُروى من الداخل، وأن المرأة قادرة على أن تكون خلف الكاميرا كما هي قادرة على أن تكون في قلب الصورة.
-
المخرجة نايلة الخاجة
في «شهر المرأة الإماراتية»، تبرز تجربة المخرجة والكاتبة والمنتجة الإماراتية نايلة الخاجة باعتبارها واحدة من التجارب النسائية التي لم تكتفِ بفتح الباب لنفسها، وإنما ساهمت في توسيع المساحة أمام نساء أخريات للحضور في صناعة السينما والفنون البصرية.
كانت الخاجة من أوائل النساء الإماراتيات اللواتي اخترن الإخراج السينمائي مهنة ومساراً إبداعياً، في وقت لم تكن فيه صناعة الأفلام المحلية قد أخذت شكلها الحالي، ولم يكن من السهل على امرأة أن تختار مجالاً يرتبط بالكاميرا والإنتاج والتصوير والمهرجانات والسفر والعمل خلف الكواليس؛ لكنها اختارت أن تخوض التجربة.
لم يكن اختيارها عابراً؛ فمنذ أعمالها الأولى، بدا واضحاً أنها لا تريد صناعة أفلام تكتفي بتقديم صورة جميلة للمكان، بل تبحث عن الإنسان خلف الصورة، وعن المشاعر التي لا تُقال، والخوف الذي يسكن خلف الأبواب، والذاكرة التي تظل حاضرة حتى بعد مرور السنوات.
تكمن أهمية تجربة نايلة الخاجة في أنها لم تنتظر أن تتغير الصورة كي تدخل إليها، بل دخلت وبدأت في تغييرها.
نشأت في دبي، المدينة التي كانت تتحول بسرعة وتعيد تعريف علاقتها بالعالم، وهو ما انعكس على رؤيتها الفنية. درست الاتصال، ثم تابعت دراستها في مجال صناعة الأفلام وكتابة السيناريو والإخراج، قبل أن تعود إلى الإمارات وهي تحمل طموحاً واضحاً لصناعة سينما تنطلق من بيئتها المحلية وتتوجه في الوقت نفسه إلى جمهور أوسع.
ومع كل فيلم، كانت تثبت أن وجود المرأة خلف الكاميرا ليس تفصيلاً في الصناعة، بل يمكن أن يصنع فارقاً حقيقياً في الطريقة التي تُروى بها الحكايات.
من الوثائقي إلى الفيلم القصير ثم العمل الروائي، حافظت الخاجة على هاجس أساسي في تجربتها، وهو الاقتراب من النفس البشرية.
غموض نفسي وتجارب من الواقع
في أعمال مثل «العلكة» و«مزرعة يدو» و«هنوف» و«The Shadow» و«Animal»، ظهرت ملامح أسلوبها الذي يميل إلى الغموض النفسي، ويمنح التفاصيل الصغيرة مساحة كبيرة في بناء الحكاية.
لم تكن الشخصيات لديها مجرد أدوات لتحريك الأحداث، بل شخصيات تحمل خوفها وذاكرتها وأسرارها وأسئلتها؛ ولهذا وجدت الخاجة في السرد النفسي مساحة رحبة للتعبير، لأنها ترى أن السينما تستطيع أن تكشف ما يعجز الإنسان أحياناً عن قوله بالكلمات.
وُلد فيلم «باب» من تجربة فقد مؤلمة عاشتها الخاجة بعد رحيل صديقة عزيزة امتدت علاقتها بها لأكثر من 25 عاماً. وبدل أن تبتعد عن الألم أو تحاول إخفاءه، قررت أن تواجهه بالكاميرا. تقول الخاجة إن الفيلم كان وسيلتها للتعبير عن مشاعر يصعب وصفها، وأنها أرادت أن تهدي العمل إلى الحزن والحب والشوق الذي عاشته.
-
المخرجة نايلة الخاجة.. امرأة إماراتية كسرت المألوف خلف الكاميرا
تقديم المرأة بصورة مختلفة
من أكثر القضايا حضوراً في تجربة الخاجة نظرتها إلى تمثيل المرأة العربية على الشاشة؛ إذ ترى أن المرأة العربية لا تزال تظهر في كثير من الأحيان من خلال صور محدودة لا تعكس حقيقة حياتها بكل تعقيداتها؛ فالمرأة ليست دائماً ضحية، وليست دائماً بطلة خارقة، وليست رمزاً للتمكين فحسب. تسعى الخاجة إلى منح شخصياتها النسائية مساحة تكون فيها المرأة كاملة، لا نموذجاً جاهزاً.
وتؤكد أن المطلوب هو الانتقال من مفهوم التمكين السطحي إلى تقديم المرأة العربية وهي تعيش السلطة والحزن والخوف والاختيار، وتواجه قراراتها وأخطاءها وتناقضاتها كما يحدث في الحياة الحقيقية.
شكّلت أفلامها القصيرة محطة أساسية في بناء تجربتها، قبل أن تنتقل إلى الفيلم الروائي. وقدمت في «The Shadow» و«Animal» سرداً نفسياً متعدد الطبقات، مهّد لانتقالها إلى الفيلم الروائي «Three»، الذي حمل إلى الشاشة عالماً أكثر اتساعاً وتعقيداً.
الأمومة والأثر الإيجابي
وراء المخرجة التي تقف في موقع التصوير، هناك أيضاً امرأة وأم لتوأم، تحمل تجربتها الحياتية معها إلى عالم السينما. ولا تنفصل تجربتها كامرأة عن خياراتها الفنية؛ فالحياة بالنسبة إليها ليست شيئاً يحدث خارج الكاميرا، بل هي المادة الأولى التي تصنع منها أفلامها.
الطفولة، العلاقات، الفقد، الذاكرة، الخوف، الحب، الصداقة، والأسئلة التي ترافق الإنسان في مراحل مختلفة من حياته، كلها تتحول في عالمها إلى حكايات.
تجربة نايلة الخاجة تبدو اليوم أكبر من مسيرة مخرجة إماراتية نجحت في صناعة أفلامها؛ إنها جزء من التحول الذي شهدته صناعة السينما في الإمارات، حيث أصبحت المرأة أكثر حضوراً في مواقع الكتابة والإخراج والإنتاج والتصوير، ولم تعد مشاركتها تقتصر على الوقوف أمام الكاميرا.