في عصر تتصدر، خلاله، «الشاشات الرقمية» المشهد داخل البيوت، وترافق الأطفال منذ اللحظات الأولى لصباحهم، وحتى نهاية يومهم.. لم يعد السؤال يدور حول جدوى التكنولوجيا وحدها، وإنما حول الحدود، التي ينبغي رسمها؛ حتى يبقى «العالم الرقمي» نافذة للمعرفة، وليس باباً يتسلل منه ما يهدد «الطفولة»، ويباعد بين أفراد الأسرة الواحدة. وتزامناً مع تخصيص دولة الإمارات (2026) «عام الأسرة»، جاء قرار مجلس الوزراء رقم (106)، لسنة 2026، بشأن تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، جاعلاً سن «الخامسة عشرة» حداً أدنى لاستخدامها. إنه قرار يفتح باباً واسعاً للنقاش؛ فهل يشكل القرار حاجزاً واقياً أمام مخاطر «العالم الافتراضي»، أم أنه خطوة أولى تُعيد إلى البيت دفء الحوار، وإلى العلاقة بين الآباء والأبناء حضورها الحقيقي؟!

حماية.. وتلاحم

يُعد حظر إنشاء الحسابات، لمن هم دون سن الـ15، خطوة محورية، تلبي التطلعات الوطنية، المتمثلة في تعزيز الترابط العائلي، بحسب ما جاء على موقع وزارة الأسرة؛ إذ أدى الاستخدام غير المنظم لشبكات، مثل: «تيك توك»، و«إنستغرام»، و«سناب شات»، إلى إيجاد «فجوات رقمية» داخل البيت الواحد، وإضعاف قنوات التواصل المباشر. ومن هذا المنطلق، يساهم التوجيه الجديد في إعادة التوازن إلى الحياة الأسرية، وتحفيز الأبناء على قضاء وقت أطول في البيئة الواقعية، والتفاعل الاجتماعي الطبيعي؛ ما يرسخ القيم الأصيلة، ويمكّن الوالدَيْن من القيام بدورهما التربوي، بعيداً عن صخب «الفضاء الرقمي» ومشتتاته، وفق ما تنص عليه استراتيجية أبوظبي لجودة حياة الأسرة.

  • الإمارات تضع «الرقمنة» في خدمة استقرار العائلة

رقابة.. وآليات

لا يتوقف القرار عند حدود الضوابط النظرية، بل يمتد ليرسي منظومة عمل متكاملة، تُقيد المنصات الرقمية باتخاذ تدابير تقنية صارمة؛ للتحقق الموثوق من العمر، عبر أدوات ذكية، في مقدمتها: «الهوية الرقمية»، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. كما ينص التشريع على إخضاع حسابات اليافعين، بين سن الـ15، والـ16، لإشراف خاص، يشمل: تفعيل «الرقابة الأبوية»، وتقييد المحتوى عالي المخاطر، في خطوة تستهدف الوقاية والتصدي الاستباقي لتهديدات «التنمر الإلكتروني»، والمحتوى غير اللائق، وانتهاك الخصوصية، وهي سلوكيات تؤثر في الاستقرار النفسي لأفراد الأسرة كافة، وفق ما جاء في مقال منشور على موقع منظمة «اليونيسف»، بعنوان «التنمّر عبر الإنترنت.. ما هو وكيف نوقفه».

تكامل.. ومسؤولية

لا يقوم جوهر القرار على رفض التكنولوجيا، وإنما على تنظيم الوصول إليها بما يتناسب مع نضج الطفل، واحتياجاته النفسية، والاجتماعية. فالقرار يأتي ضمن إطار تشريعي أوسع، يضم المرسوم بقانون اتحادي رقم (26)، لسنة 2025، بشأن السلامة الرقمية للطفل، وقانون حقوق الطفل «وديمة»، إلى جانب التشريعات المتعلقة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، وحماية البيانات الشخصية، وتنظيم الإعلام. فالهدف، هنا، ليس تقييد الابتكار، أو إبعاد الأجيال الشابة عن التكنولوجيا، بل إيجاد بيئة آمنة، ومسؤولة، تُمكنهم من الاستفادة التقنية بما يناسب نضجهم العُمري، وفق ما ذُكِرَ على منصة «تشريعات الإمارات». 

بناء أجيال واعية

وفي مقال سموها المنشور بموقع «الاتحاد للأخبار»، بعنوان «الذكاء الاصطناعي والابتكار والمستقبل الذي نبنيه للأسر: رؤية دولة الإمارات لعصر تكنولوجي جديد».. تناولت سمو الشيخة اليازية بنت سيف بن محمد آل نهيان، حرم سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، العلاقة بين التطور التقني، ومستقبل الأسرة، ضمن رؤية تجعل الابتكار أداةً لبناء حياة أسرية أكثر أمناً، واستقراراً، لا كقوة تعمل بعيداً عن القيم الإنسانية. فالاستثمار في فضاء رقمي آمن ليس استثماراً في التقنية وحدها، وإنما في استقرار البيوت، وصحة الأطفال النفسية، وقدرتهم على بناء علاقات متوازنة مع أنفسهم، ومع الآخرين. واستناداً إلى ما ذكر، فإن قرار تحديد سن استخدام منصات التواصل الاجتماعي يضع التكنولوجيا في مكانها الطبيعي: «أداة بين أيدي الأسرة، وليست عالماً بديلاً، يحتجز أبناءها بعيداً عنها». وحين تتكامل التشريعات، والمنصات الرقمية، والمدارس، والآباء، يمكن للطفل أن يَعْبر إلى المستقبل بثقة؛ حاملاً مهارات العصر، دون أن يفقد دفء البيت، أو قِيَمه، أو صوته الإنساني وسط «ضجيج الشاشات».