الجازي المحيربي: عائلتي «مرساتي الأولى»
على امتداد الأمواج المتقلبة، تخوض الجازي المحيربي، لاعبة منتخب الإمارات للشراع الحديث، تحديات هذه الرياضة بعزيمة تنافسية لا تلين. فمنذ انطلاق مسيرتها الاحترافية عام 2020، بدأت رحلتها مع القوارب الفردية بفئة (ILCA)، حيث كانت كل مسؤولية قراراً شخصياً؛ لتنتقل، لاحقاً، إلى اليخوت الجماعية، مشارِكة رسمياً في فئة «SSL 47»، ضمن دورة ألعاب جنوب شرق آسيا في تايلاند، حيث يكمن فن التناغم مع الفريق، وتحمّل المسؤولية المشتركة تحت الضغوط.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، تكشف اللاعبة الإماراتية كيف حولت التحديات إلى قوة دافعة، وكيف أصبحت رياضتها مدرسة للقيم، ومرآة لعزيمة ومثابرة لا تعرفان حدوداً:
-
الجازي المحيربي: عائلتي «مرساتي الأولى»
البحر علمني فن التناغم، ومواجهة تحديات الحياة
بين القوارب الفردية فئة (ILCA)، واليخوت الجماعية فئة «SSL 47».. كيف صقلتِ شخصيتك التنافسية في كلتا الفئتين؟
فئة (ILCA) كانت مدرسة الانضباط الحقيقي؛ ففي القوارب الفردية تقع على عاتقك المسؤولية كاملةً: القرار، والتوجيه، والتخطيط، ما يعلّم الاعتماد الكامل على النفس، وسرعة اتخاذ القرار، وفهم الرياح والأمواج بدقة. هذا الأساس من الصلابة، والثقة، أصبح ضرورياً عند انتقالي إلى اليخوت الجماعية، حيث شاركت رسمياً في فئة «SSL 47»، بدورة ألعاب جنوب شرق آسيا في تايلاند. ويكمن الفرق الجوهري في «التناغم»: المسؤولية جماعية، والخطأ الفردي ينعكس مباشرة على أداء الفريق. وكـ«Main Trimmer»، كان دوري يتطلب دقة عالية، وتواصلاً مستمراً، ليصبح النجاح محصلة انسجام كل أفراد الطاقم، وثقتهم المتبادلة.
-
الجازي المحيربي: عائلتي «مرساتي الأولى»
مفتاح التعامل الفعال
ما أبرز التحديات التي تواجهينها أثناء السباق، وكيف تُدار لحظات التوتر على اليخت؟
أكبر التحديات ذهنيٌّ، وليس بدنياً؛ فالثبات الذهني - خلال التغيّرات المفاجئة في الطقس، أو الأداء - يتطلب تركيزاً مستمراً لساعات طويلة، ما يستلزم إدارة دقيقة للضغط. وقد ساعدني في ذلك تقسيم السباق إلى مراحل صغيرة، والتركيز على كل مرحلة على حدة. أما لحظات التوتر على اليخت، فالهدوء هو مفتاح التعامل الفعال معها. وخلال هذه الأوقات، نعتمد على «بروتوكول» تواصل واضح لتقليل الضغط، ويعود القرار النهائي إلى «الربان»، أو «التكتيكي»؛ بناءً على المعلومات التي نقدمها كطاقم، ويتركز دوري على تقديم قراءة دقيقة لوضع شراع «الماين»؛ ليتمكّن الفريق من اتخاذ القرار المناسب في الوقت الحاسم.
-
الصور من بطولة «SSL Gold Cup» العالمية للشراع.
ماذا أضافت إليكِ المشاركات الدولية، والمعسكرات الخارجية؟
الاحترافية تبدأ قبل نزولنا إلى الماء.. والمعسكرات الخارجية أكدت لي أهمية التفاصيل الدقيقة، مثل: التغذية، والنوم، وصيانة المعدات؛ فالفوز لا يُصنع خلال السباق، وإنما هو نتيجة عمل مستمر، وجهد غير مرئي يمتد إلى ساعات طويلة. ومن التجارب، التي أعتز بها كثيراً، مشاركتي عام 2023، مع منتخب الأولمبياد الخاص، حيث أسهمت في تحقيق الميدالية البرونزية، خلال دورة الألعاب العالمية في برلين. هذه المنافسات تقوم على مبدأ «اللاعب الموحد»، الذي يجمع بين اللاعبين من أصحاب الهمم، ومن غير أصحاب الهمم، ضمن فريق واحد، ما يضفي على التجربة بُعداً إنسانياً عميقاً.
كيف توازنين بين مسيرتكِ المهنية، والتدريبات المكثفة؟
الأمر يتطلب إدارة صارمة للوقت؛ فيبدأ يومي مبكراً، وينتهي بتدريبات طويلة، ما يفرض، أحياناً، تنازلات عن الراحة، وعن الحياة الاجتماعية. لكنني أعتبر هذه التضحيات استثماراً في هدف أكبر، هو الوصول إلى الأولمبياد. إنني أحمل درجة الماجستير في اللغات الأجنبية التطبيقية، تخصص «إدارة الأعمال والتجارة الدولية»، وأعمل كأخصائي في التجارة وتطوير الأعمال، ضمن «مجموعة كيزاد» (KEZAD Group). وقد منحتني هاتان التجربتان (المهنية، والدراسية)، مهارات تحليلية وتنظيمية عالية، انعكست - بشكل مباشر - على أدائي الرياضي، خاصةً في إدارة الوقت، واتخاذ القرار تحت الضغوط، فدقة القرار «ربان» نجاحي في الإبحار.
-
الجازي المحيربي: عائلتي «مرساتي الأولى»
دعم عائلي.. ومؤسسي
إلى أي مدى كان للدعم العائلي، والمؤسسي، دور في استمراريتكِ؟
عائلتي كانت، ولا تزال، مرساتي الأولى، فهي التي غرست بداخلي حب البحر منذ البداية. وعلى المستوى المؤسسي، لعب كلٌّ من: اتحاد الإمارات للشراع الحديث والتجديف، ونادي أبوظبي للرياضات البحرية، دوراً محورياً في تطوير مستواي، من خلال الدعم الفني، والاحترافي؛ فكان ذلك سبباً في انتقالي من مرحلة الهواية إلى المنافسات الدولية.
ما الدروس التي تستلهمينها، خلال سعيكِ نحو الإنجاز الأولمبي؟
«المرونة» هي القيمة الأهم؛ فالبحر متقلب، والحياة كذلك، ولا يمكن التحكم في كل الظروف، لكننا نملك القدرة، دائماً، على توجيه أشرعتنا، والتعامل مع التحديات. هذه الفكرة عززت قدرتي على التكيّف والمثابرة، وهي الدافع الذي يقود طموحي نحو الإنجاز الأولمبي. وأؤمن بأن رياضة الشراع، في الإمارات، تمتلك كل المقومات لتحقيق هذا الهدف، وأسعى إلى تطوير نفسي باستمرار؛ للوصول إلى أعلى المستويات، وتمثيل بلادي في الدورات الأولمبية.