هناك شيءٌ في الخريف يجعل الماضي أقلَّ بُعداً.. فلا نعرف إن كانت ألوانه هي التي تعبث بالذاكرة، أم أننا - وسط كل هذا الركض - أصبحنا نبحث عن أي ذريعة، تُعيدنا إلى زمن كان يمضي على مَهَل.. ويكفي أن يعود البني، والكراميل، والعنابي، والخردلي، والزيتوني، إلى الواجهات، والخزائن؛ حتى تبدأ الذاكرة لعبتها.. فجأةً، نشعر بشيء مألوف!.. ألوان تحمل في دفئها شيئاً من «السبعينيات»، و«الثمانينيات»؛ من صور قديمة احتفظنا بها في ألبومات العائلة، وأزياء أمهاتنا، وتسريحات شعر ربما ابتسمنا لها يوماً، ثم فوجئنا بأنها عادت؛ لتبدو جميلة في أعيننا..!

مؤخراً، أعادنا «ترند الثمانينيات»، المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى تلك السنوات بطريقة طريفة، وجميلة!.. فرأينا أنفسنا بتسريحات شعر كبيرة، ومكياج، وأزياء، وقصّات تنتمي إلى زمن آخر.. والمفارقة أن كثيرات لم ينظرن إلى صورهنَّ بسخرية كما قد نتوقع، بل أحببنها.. كأنهنَّ اكتشفن نسخة أخرى من أنفسهنَّ، وربما نسخة كنَّ يتمنينَ لو عرفنها!.. وهنا تساءلت: هل الذي أعجبنا، فعلاً، في تلك الصور، هو شكلنا في «الثمانينيات»؟ّ!.. أم أن شيئاً آخر، في تلك الصور، حرّك بداخلنا إحساساً افتقدناه؟!

ربما لا نشتاق إلى «الثمانينيات»، بقدر اشتياقنا إلى الإحساس بأن الحياة كانت أشدَّ بطئاً.. فنحن نعيش، اليوم، في زمن لا يحب الانتظار!.. نلتقط الصورة؛ فنراها قبل أن تنتهي اللحظة، التي التُقطت فيها!.. نسمع أي أغنية نريدها متى شئنا!.. تصل الرسالة في ثانية؛ ونشعر أحياناً بأن التأخر في الرد، ولو دقائق، يحتاج إلى تفسير!.. فخلال دقائق، نَعْبُر عشرات الأخبار، والصور، والوجوه، وننتقل من شيء إلى آخر قبل أن نمنح الأول وقتاً كافياً؛ ليترك أثراً..!

ففي ذلك الزمن، كان للانتظار مكان في الحياة!.. كنا نلتقط الصور، ولا نعرف كيف بَدَتْ حتى «تُحمّض»!.. ننتظر برنامجاً نحبه في موعد محدد، وأغنية على الراديو، وعدداً جديداً من مجلة!.. كان لكل شيء مذاقه الخاص، وذاكرته الخاصة أيضاً!.. ولا يعني ذلك أن الماضي كان أجمل في كل شيء؛ فالذاكرة، أيضاً، تجيد الانتقاء، وتحتفظ بالدفء، وتترك الكثير من التفاصيل على الهامش. لكن، ربما هناك شيء يستحق أن نستعيده من ذلك الزمن، بجانب الأزياء، والألوان، والموسيقى، إنه قدرتنا القديمة على عَيْش الأشياء ببطء!

أحياناً، لا تعني العودة إلى الوراء أننا عالقون في الماضي؛ فقد تكون مجرد استراحة صغيرة من الحاضر!.. كأَنْ نستمع إلى أغنية قديمة حتى نهايتها، دون أن نتجاوزها!.. وأن نقلّب ألبوم صور حقيقياً، بدلاً من آلاف الصور المخزنة في هواتفنا!.. وأن نجلس مع مَنْ نحب، دون أن يكون الهاتف ضيفاً دائماً على الطاولة!.. وأن نسمح للحظة بأن تطول ولو قليلاً، دون أن نفكر فَوْراً في اللحظة التي تليها!

ربما، لهذا أحببنا صورنا بملابس «الثمانينيات» أكثر مما توقعنا!.. فالزمن لا يمضي تماماً كما نظن، بل يترك أشياء صغيرة تعرف كيف تعثر علينا من جديد؛ في لون، أو أغنية، أو صورة!.. ليس كل التفات إلى الوراء حنيناً؛ فأحياناً نحتاج إلى مسافة؛ لنرى ما لم ننتبه إلى قيمته؛ حين كان جزءاً عادياً من أيامنا!

إن الماضي لا يعود كما كان.. وإنما نراه نحن بعيون جديدة!