ربما كانت إحدى أكثر الأفكار طمأنينةً للأمهات، عبر أجيال طويلة، أنهن يعرفن الطريق، الذي يسير فيه أبناؤهن.. عاشت الأم الحياة قبل طفلها، وجربت أخطاءها، وعرفت الناس، وحفظت شيئاً من «خرائط الطريق»، ثم جاء دورها؛ لتأخذ بید صغيرها، وتقول له: «من هنا تمر الحياة!».

لكن ماذا يحدث؛ حين يولد الطفل في عالم لم تمر به أمه من قبل؟!.. طفل اليوم لا يتعلم فقط من البيت، والمدرسة.. إنه يدخل - منذ سنواته الأولى - إلى عالم شاسع، ويعرف تطبيقات لم تسمع بها أمه، ويتحدث مع ذكاء اصطناعي، ويطلع على ثقافات، وأفكار، تأتيه من قارات بعيدة، وتكون جزءاً من وعيه، في فضاء لا ترى الأسرة كلَّ ما يحدث داخله.. وقد يأتي يوم، ويسأل فيه أمه عن شيء ما!.. فتبحث هي الأخرى عن الإجابة في المكان نفسه، الذي يبحث فيه.

والمفارقة، هنا، ليست في أن الطفل أصبح أذكى من أمه، أو أن التكنولوجيا ألغت دورها، وإنما أن واحداً من الأسس القديمة، للعلاقة بين الأجيال، بدأ يتغير.. فالكبير لم يعد، بالضرورة، هو الأكثر معرفةً بالعالم الذي ينتظر الصغير!

في الماضي، كان الطفل ينظر إلى والديه؛ بوصفهما نافذته الأولى إلى العالم. أما اليوم، فقد يحمل العالم كله بين يديه، قبل أن يفهمه.. وهنا، ربما، تبدأ المهمة الأصعب للأم المعاصرة.. فليست مهمتها أن تعرف كل شيء، فهذا الأمر أصبح مستحيلاً تقريباً، وليست مهمتها، أيضاً، أن تدخل سباقاً معرفياً مع طفلها؛ لتثبت أنها لا تزال صاحبة السلطة.. إنها ربما تحتاج إلى شجاعة مختلفة، أن تقول أحياناً: «لا أعرف!»، دون أن تشعر بأن أمومتها اهتزت.. فالسلطة المعرفية شيء، والسلطة الأخلاقية، والوجدانية، شيء آخر!

قد يجيد الطفل استخدام التقنية أفضل من أمه، لكنه لا يعرف، بالضرورة، ما يجب أن يفعله بكل ما تمنحه إياه.. إنه قد يستطيع الوصول إلى آلاف الإجابات، لكنه لا يزال يحتاج إلى من يعلمه أي الأسئلة تستحق الطرح.. يستطيع أن يرى العالم، لكنه يحتاج إلى من يساعده ليعرف موقعه فيه.. وهنا، تعود الأم إلى مكانها، لكن بصورة مختلفة.. فلم تعد فقط المرأة، التي تقول لطفلها: «اتبعني، فأنا أعرف الطريق!».. وإنما قد تصبح، أحياناً، تلك التي تقول: «دعنا نفهم هذا الطريق معاً!».

وفي المجتمع الإماراتي، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً، فهناك أمهات عشن بأنفسهن تحولاً اجتماعياً وحضارياً شديد السرعة، وعاصرن مجتمعاً أكثر بساطة في تفاصيله اليومية، ثم وجدن أنفسهن يربين أبناء ولدوا في واحدة من أكثر البيئات اتصالاً بالعالم، والتكنولوجيا.. إنها ليست فجوة بين جيلين فحسب، إنها تكاد تكون مسافة بين عالمين.

والتحدي، هنا، لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالسؤال الأصعب: «كيف نربي طفلاً قادراً على العيش في المستقبل، دون أن نفصله عن جذوره؟!.. كيف نمنحه حرية اكتشاف عالمه، دون أن نتركه وحيداً؟!.. وكيف نحمي قِيَم الأسرة، دون أن نحولها إلى جدار يمنعه من رؤية الحياة؟!».. ربما تبدأ الإجابة؛ حين تتخلى الأم عن وَهْم أنها مطالبة بأن تعرف كل شيء؛ فالطفل لا يحتاج، دائماً، إلى أم تملك الإجابة، بقدر حاجته إلى أم يستطيع العودة إليها؛ عندما تربكه الإجابات.. وهذا ربما هو التحول الحقيقي في معنى الأمومة اليوم، أن تنتقل الأم من «امتلاك المعرفة» إلى صناعة «البوصلة»!

إن العالم، الذي سيدخله أطفالنا، قد يكون عالماً لا تُفهم تفاصيله كلها، وربما لا نستطيع حتى تخيله الآن.. لكنَّ الأشياء، التي يحتاجون إليها داخله لم تتغير كثيراً.. هي، فقط، ضمير يعرف الحدود، وعقل يعرف كيف يسأل، وقلب يعرف أين يعود!.. ولعل أعظم ما تستطيع الأم أن تمنحه لطفلها، في عالم لا تفهمه بالكامل، ليس «خريطة مكتملة للطريق»، وإنما «بوصلة» تمنعه من الضياع!