في عالم مليء بالإشعارات، والرسائل، والتنقل المستمر بين التطبيقات والمهام.. أصبح تشتت الانتباه جزءاً من طريقة تعاملنا اليومية مع العمل والحياة. وبينما نحاول إنجاز أكثر من مهمة، في الوقت نفسه، تأتي ظاهرة تعرف بـ«التركيز المتقطع»، حيث ينتقل العقل بصورة متكررة بين مهام صغيرة ومتنوعة مع تجنب الاستمرار في نشاط واحد، لفترة طويلة.

  • «التركيز المتقطع».. المهام الصغيرة المتكررة تشكل قدرتنا على الانتباه

ما المقصود بـ«التركيز المتقطع»؟

«التركيز المتقطع» هو نمط من الانتباه، يتخلله انتقال متكرر بين مهام قصيرة، أو محفزات مختلفة. وقد يبدأ الأمر بمهمة أساسية، ثم يتدخل إشعار، أو رسالة، أو فكرة جانبية، ليتوقف الشخص للحظات، قبل أن يعود إلى المهمة الأولى، ثم يتكرر السيناريو مرة أخرى. وتختلف هذه الحالة عن أخذ استراحة مقصودة؛ فالاستراحة، عادةً، تكون محددة وواضحة، بينما يحدث «التركيز المتقطع» بصورة تلقائية ومتكررة، وأحياناً من دون إدراك الشخص عدد المرات، التي قطع فيها تركيزه، خلال الساعة الواحدة.

ومع اعتياد هذا السلوك، قد تصبح المهام القصيرة والمتكررة وسيلة للحصول على جرعات سريعة من التحفيز، فكل إشعار جديد، أو رسالة، أو معلومة قصيرة، تقدم للعقل سبباً للانتقال بعيداً عن المهمة الحالية، وذلك يحدث أكثر عندما تكون المهمة الأساسية روتينية، أو تحتاج إلى جهد ذهني أكبر.

كيف تؤثر المهام الصغيرة في الانتباه؟

المشكلة ليست في إنجاز المهام الصغيرة نفسها، بل في الطريقة التي تتراكم بها؛ فقد يقضي الشخص دقائق قليلة في الرد على رسالة، ثم ينتقل إلى البريد الإلكتروني، ثم يفتح تطبيقاً آخر، ثم يعود إلى عمله؛ ليكتشف أنه يحتاج إلى إعادة قراءة ما كان يفعله قبل المقاطعة. وهذا الانتقال المتكرر يضيف ما يمكن اعتباره «تكلفة تبديل» ذهنية؛ لأن العقل يحتاج في كل مرة إلى إعادة تحديد ما كان يفعله، والخطوة التالية، والمعلومات التي يجب أن يستعيدها من الذاكرة.

ولهذا السبب، قد ينتهي يوم العمل بشعور قوي بالتعب، لأن الإرهاق هنا ارتبط بعدد مرات الانتقال بين المهام المختلفة.

لماذا تبدو المهام الصغيرة جذابة؟

تمنح المهام القصيرة شعوراً سريعاً بالإنجاز، من دون الحاجة للبقاء في مهمة واحدة لعدة ساعات، ويمكن للشخص حذف رسالة، والرد على إشعار، وترتيب ملف، أو إنهاء مهمة بسيطة، خلال دقائق. هذا الشعور قد يكون مفيداً؛ عندما تستخدم المهام الصغيرة كجزء من خطة واضحة، لكنه يصبح مشكلة عندما تتحول إلى وسيلة دائمة؛ لتجنب المهام التي تحتاج إلى تركيز أعمق. وقد يجد الشخص نفسه مشغولاً طوال الوقت، لكنه لا يحرز تقدماً حقيقياً في الأولويات الكبرى؛ إذ إنه ينجز الكثير من الأشياء الصغيرة، بينما تبقى المهام التي تحتاج إلى قراءة طويلة، أو كتابة، أو تحليل، مؤجلة باستمرار.

  • «التركيز المتقطع».. المهام الصغيرة المتكررة تشكل قدرتنا على الانتباه

العلاقة بين الهاتف.. و«التركيز المتقطع»:

أصبح الهاتف الذكي أحد أبرز مصادر المقاطعات اليومية، فوجوده بالقرب من الشخص حتى من دون استخدامه المستمر، قد يجعل الانتباه أكثر قابلية للتحول نحو الرسائل، والتنبيهات، والمحتوى الجديد. ولا تتطلب المقاطعة، دائماً، فتح الهاتف فعلياً؛ فأحياناً يكفي وصول إشعار، أو ظهور علامة على الشاشة؛ لصنع رغبة في التحقق مما حدث.

ومع تكرار هذه العملية، قد يتشكل نمط سلوكي يجعل فترات الصمت، والتركيز العميق، تبدو أقل راحة من الانتقال المستمر بين محفزات مختلفة.

هل يعيد «التركيز المتقطع» تشكيل عاداتنا؟

العادات اليومية لا تتكون من القرارات الكبيرة فقط، وإنما من الأفعال الصغيرة، التي تتكرر بصورة مستمرة، لذلك فإن الانتقال المتكرر بين المهام قد يتحول، بمرور الوقت، إلى أسلوب تلقائي في التعامل مع العمل. وعندما يعتاد الشخص تغيير نشاطه كل بضع دقائق، قد يجد صعوبة أكبر في تخصيص فترة طويلة لنشاط واحد دون تفقد الهاتف، أو البريد الإلكتروني، أو أي مصدر آخر للمحفزات.

لكن الجانب الآخر مهم، أيضاً؛ وهو الانتباه قابل للتدريب، فإذا كان الانتقال المتكرر بين المهام قد أصبح عادة، فإن العودة التدريجية إلى فترات أكثر استقراراً من التركيز، يمكن أن تصبح عادة بدَوْرها.

كيف نستعيد القدرة على التركيز؟

البداية قد تكون من تقليل عدد المقاطعات غير الضرورية، إذ يمكن، مثلاً، تخصيص فترة زمنية لمهمة واحدة فقط، مع إغلاق الإشعارات غير الضرورية، ووضع الهاتف بعيداً عن مجال الرؤية. وبعد انتهاء هذه الفترة، يمكن العودة إلى الرسائل، والمهام القصيرة، في وقت محدد.

وتقسيم المهام الكبيرة إلى وحدات واضحة؛ فمثلاً الكتابة لمدة 30 دقيقة، أو قراءة عدد محدد من الصفحات، أو إنهاء جزء واحد من مشروع، قد يكون أكثر قابلية للتنفيذ من وضع هدف غامض مثل «العمل طوال الصباح».

ومن المفيد، أيضاً، تجميع المهام الصغيرة، بدلاً من التعامل معها فَوْر وصولها، مثل الرد على جميع الرسائل، التي وصلت خلال الساعتين الماضيين، ما يقلل عدد مرات التشتت.