هناك مدن نزورها، وأخرى تدعونا إلى عَيْش إيقاعها؛ وأمستردام من النوع الثاني. فهنا، لا تحتاج إلى خطة مزدحمة، بقدر حاجتك إلى حذاء مريح، وفضول يقودك من شارع إلى آخر.. تمشي بمحاذاة قناة مائية، وتعبر جسراً صغيراً، وتتوقف أمام واجهة بيت يعود إلى زمن بعيد، ثم تجد نفسك في مقهى يطل على الماء، فتراقب الدراجات وهي تعبر المدينة كأنها جزء من مشهد يومي لا يتغير.

  • أمستردام.. مدينة تُروى على ضفاف القنوات

في العاصمة الهولندية، يبدو الجمال قريباً وبسيطاً؛ فلا يفرض نفسه عليك، بل يظهر في التفاصيل، والبيوت الضيقة المتراصة على ضفاف القنوات، وانعكاس الضوء على الماء، والمتاحف التي تحفظ ذاكرة كبار الفنانين، والأحياء التي تجعل المشي وسيلة لاكتشاف المدينة، لا مجرد طريقة للتنقل فيها.. إنها أمستردام، التي يمكن أن تبدأ رحلتك إليها بالفن، وتنتهي بالقهوة، وبين الاثنين حكايات كثيرة تستحق أن تُعاش.

على إيقاع القنوات

لا تحتاج أمستردام إلى الكثير من الوقت؛ لتشعر بأنك تعرفها منذ زمن. فالعاصمة الهولندية، التي تتشابك فيها القنوات المائية مع الشوارع، والجسور، مدينة سهلة الاكتشاف؛ ويمكن السير فيها لساعات، والتنقل بين أحيائها بالدراجة، والتوقف أمام متاحفها ومقاهيها، قبل العودة إلى ساحة «دام»، التي تشكل واحداً من أشهر ميادينها، وأكثرها حيوية. وفي قلب هذه الساحة، مقابل القصر الملكي، يقع «Anantara Grand Hotel Krasnapolsky Amsterdam»، في موقع يجعل الكثير من معالم المدينة على مسافة قريبة سيراً على الأقدام. والفندق، الذي يتألف من 55 منزلاً، من منازل القنوات، ليس حديث عهد بالمدينة؛ فقد بدأت قصته عام 1856؛ عندما افتتح أدولف فيلهلم كراسنابولسكي، وهو خياط ورائد أعمال شهير، مقهى صغيراً في هذا المكان، ثم أضاف إليه غرفاً للإقامة مع ازدياد شهرته، إلى أن تحول، تدريجياً، إلى الفندق المعروف اليوم. 

  • أمستردام.. مدينة تُروى على ضفاف القنوات

إطلالة على «دام»

ويوجد بالفندق 402 غرفة وجناح، وتتنوع إطلالاتها بين ساحة «دام»، وقنوات أمستردام. وتأتي الغرف بتصميم معاصر، وألوان دافئة، وهادئة. فيما تختلف مساحاتها، وخياراتها؛ لتناسب الإقامات الفردية، والعائلية. ومن أبرزها: «Royal Suite»، بمساحة 150 متراً مربعاً، وإطلالة مباشرة على الساحة والقصر الملكي، و«Presidential Suite»، الذي تبلغ مساحته 70 متراً مربعاً، ويطل على قنوات المدينة من تراسه الخاص. 

مائدة لها تاريخ

يشغل الطعام حيزاً مهماً من تجربة الإقامة، لاسيما في «The White Room»، الذي افتتح للمرة الأولى عام 1885، ولا يزال يحتفظ بتفاصيله التاريخية الأصيلة. ويقدم المطعم تجربة طعام معاصرة، بإشراف الشيف Jacob Jan Boerma، الحاصل على ثلاثٍ من نجوم «ميشلان». فيما يتولى الشيف Tristan de Boer إعداد أطباقه الحديثة. وتتنوع الخيارات بين «Grand Café Krasnapolsky» المطل على ساحة «دام»، للقهوة، والحلويات، وشاي بعد الظهر. و«Wintergarden» التاريخي، حيث يُقدم الإفطار تحت سقف زجاجي، يعود إلى القرن التاسع عشر. أما «The Tailor»، المستوحى من حرفة الخياطة، التي مارسها مؤسس الفندق، فيقدم العصائر في أجواء هادئة، تمتد إلى فناء داخلي بعيد عن صخب الساحة. 

  • أمستردام.. مدينة تُروى على ضفاف القنوات

مدينة تُكتشف على مهل

في أكتوبر، تكشف أمستردام وجهاً أكثر هدوءاً؛ حيث تتبدل ألوان الأشجار على ضفاف القنوات، وتنخفض درجات الحرارة بعيداً عن دفء الصيف وازدحامه. ولا تبدو المسافات عائقاً أمام اكتشاف المدينة، فالكثير من متعتها يكمن في السير من مكان إلى آخر، وترك الطريق يقودك، أحياناً، بعيداً عن البرنامج المحدد. وتمتد القنوات المائية بين الأحياء، وتعبرها جسور صغيرة، تحيط بها البيوت الهولندية ذات الواجهات الضيقة. فيما تمر الدراجات بكل اتجاه، في مشهد يومي أصبح جزءاً من هوية العاصمة. وإذا كان المشي يمنحك فرصة لملاحظة التفاصيل، فإن جولة بالقارب تقدم زاوية مختلفة تماماً. فمن الماء، تظهر واجهات البيوت التاريخية، والجسور، والشوارع المتاخمة للقنوات، خاصةً في منطقة حزام القنوات، التي رسمت ملامح وسط أمستردام، وجعلت الماء حاضراً في تفاصيل حياتها اليومية.

«Jordaan».. متعة التجول بلا خطة

من الأحياء، التي تستحق وقتاً أطول للتجول، يأتي حي «Jordaan»، غرب وسط المدينة. فهنا، تتجاور القنوات مع الشوارع الصغيرة، والمقاهي، والمتاجر، ويصبح التجول من دون وجهة محددة جزءاً من التجربة. ويمكن اكتشاف الحي سيراً أو بالدراجة، والتنقل بين شوارعه قبل التوقف؛ لتناول القهوة، أو متابعة الطريق بمحاذاة القنوات. ويضع الفندق جولة «Jordaan» بالدراجة ضمن التجارب المحلية، التي يمكن القيام بها أثناء الإقامة في أمستردام.

  • أمستردام.. مدينة تُروى على ضفاف القنوات

الدراجات حاضرة

يصعب فصل أمستردام عن الدراجات؛ فهي حاضرة أمام المنازل، وعلى الجسور، وفي الشوارع، حتى إن تجربتها تبدو واحدة من أبسط الطرق للدخول في إيقاع المدينة. ويمكن الانطلاق في جولة عبر الأحياء والقنوات، أو الاكتفاء بمسافات قصيرة بين محطة وأخرى، مع الانتباه إلى أن حركة الدراجات في أمستردام جزء أساسي من نظام التنقل اليومي، وليست نشاطاً سياحياً فقط.

موعد مع الفن

ولا تكتمل زيارة أمستردام دون تخصيص وقت لمتاحفها. وفي «ميوزيومبلين»، أو ساحة المتاحف، تجتمع ثلاثة أسماء، تمنح الزائر تجارب فنية مختلفة: «رايكس ميوزيوم»، ومتحف «فان غوخ»، و«موكو» للفن الحديث والمعاصر. ففي «رايكس ميوزيوم»، تأخذ الجولة الزائر عبر قرون من الفن والتاريخ الهولنديين. بينما يفتح متحف «فان غوخ» نافذة واسعة على عالم الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ، وتحولاته الفنية عبر مراحل حياته. أما «موكو»، فيقدم إيقاعاً مختلفاً، مع تركيزه على الفن الحديث والمعاصر؛ ليصبح التنقل بين المتاحف الثلاثة رحلة فنية متنوعة في منطقة واحدة.