خلف وجوه «كبارنا» حكايات لم تُكتب، وتاريخٌ لا تضمه المجلدات، وإنما تحمله الملامح التي نُقشت عليها «مسيرة الوطن» بأبهى تجلياتها. وفي هذا المشهد، قررت المصورة الإماراتية، علياء بنت سلطان، أن تجعل من عدستها جسراً زمنياً، يعبر بنا حنين ماضينا الجميل، إلى طموح حاضرنا المشرق.. وفي حوارها مع «زهرة الخليج»، تكشف لنا المصورة الإماراتية سرّ العلاقة، التي تجمع بين الكاميرا، والوقار الإماراتي، والقصص التي ترويها العيون، وكيف جعلت من ملامح أجدادنا رواية بصرية، تلامس وجدان الأجيال الجديدة.
-
علياء بنت سلطان
ما الذي جعل «وجوه كبار المواطنين» بوصلة فنية وجهت مساركِ، وميزت بصمتكِ؟
شغفي بالتصوير لا ينفصل عن اعتزازي بهويتنا، وقد اخترت «كبارنا»؛ لأنهم أساس الدار، وهم مَنْ عاشوا «قصة الاتحاد»؛ فغرسوا فينا حب الريادة؛ لنقطف اليوم ثمارها في الفضاء، كما أعتبرهم المؤثرين الحقيقيين، الذين نستقي منهم قيمنا. وسيراً على خطاهم، أعتبر خدمة الجيل الحالي، الذي تضعه قيادتنا في صدارة اهتماماتها، أولوية أفتخر بها في مساري الفني. لقد كانت صورة «وصلنا المريخ» نقطة الانطلاق الحقيقية، التي تبلورت بعدها سلسلة «كبارنا»؛ لتصبح هويتي البصرية.
-
علياء بنت سلطان: عدستي توثق «هيبة» كبارنا بزاوية عصرية
توثيق.. وجماليات فنية
كيف وازنتِ بين الحفاظ على «هيبة الأجداد»، وتقديمهم في إطار فني معاصر؟
التحدي الأكبر كان في الجمع بين الماضي، الذي شهد تأسيس الدولة، والحاضر الذي نعيشه بنزعة تطور متسارعة. لذلك حرصت على إبرازهم بالطريقة التي يحبونها؛ لجعل الصورة أصيلة في تفاصيلها كافة. ومن الناحية التقنية، أعددت المشهد بدقة لا متناهية؛ فوجود أمهاتنا بزينتهنَّ التقليدية، ومنها: المخورة، والذهب، والحناء، يمنح الصورة هويتها المحلية، بينما أستخدم تقنيات الإضاءة، والزوايا الحديثة؛ لإضفاء لمسة معاصرة تجعل من الصورة لوحة فنية إبداعية.
-
علياء بنت سلطان: عدستي توثق «هيبة» كبارنا بزاوية عصرية
«الكاميرا تلتقط المشاعر، كما تلتقط الملامح».. كيف تبنين جسور الثقة؛ لتكون اللقطات عفويةً؟
إن القرب من الناس، والاستماع إليهم بصدق، هما «البطل الحقيقي» خلف الكواليس؛ لأنهما يمنحان الصورة روحها، كما أنني لا أتعامل معهم كمُصَوِّرة، بل كابنة لهم؛ وعندما تتوفر هذه الثقة، يتصالحون مع الكاميرا، ويتصرفون بعفوية تامة. كذلك، عبق المكان، ونبرة الصوت «المتهدجة» بالقصص، من التفاصيل التي أحاول استحضارها خلف «الكادر»؛ فالإحساس الصادق يجعل مَنْ يشاهد الصور يشعر كأنه يعيش اللحظة معنا.
-
علياء بنت سلطان: عدستي توثق «هيبة» كبارنا بزاوية عصرية
في جلسة التصوير.. متى تقولين لنفسك: «هذه هي اللقطة»؟!
عندما تتغير نظرة «كبارنا» من الانشغال بوجود الكاميرا، إلى الانغماس في ذكرياتهم. إنني أراقب عيونهم عندما يستحضرون الماضي، والسكينة التي تغلف ملامحهم؛ حين يطمئنون إلى وجودي بينهم. ساعتها، تكون اللقطة مثاليةً؛ لأنها لا تكون ترتيباً هندسياً، بل «لحظة قرب» تظهر فيها شخصيتهم الحقيقية دون تكلف. وفي تلك الثانية، تحديداً، أضغط زر الكاميرا؛ لأنهم يدركون، وقتها، أن عدسةً تحبهم التقطت روحهم، قبل شكلهم!
-
علياء بنت سلطان: عدستي توثق «هيبة» كبارنا بزاوية عصرية
روح استثنائية
هل يمكن أن تشاركينا «قصة صورة» حظيت بتفاعل واسع من الجمهور؟
أذكر صورة، التقطتها على هامش فعاليات مبادرة «تحدي اللياقة» في دبي؛ لأن فكرتها ولدت في اللحظة ذاتها؛ حين طلبت من إحدى الأمهات أن تقول: «لو عباتي على الراس، والبرقع، بَعْد بتحداكم»، فتلك العبارة منحت الصورة روحها الاستثنائية، ووصلت إلى الناس، وتفاعلوا معها بشكل كبير. كانت هذه الجملة الصادقة، والصورة، سبباً في تحفيز أمهات كثيرات على المشاركة في «تحدي المشي» بعدها، ضمن «المبادرة».
إلى أين تتجه عدستكِ.. في المرحلة القادمة؟
أهدافي المقبلة لا تنصبُّ على معرض عابر، فلديَّ طموح لوضع موسوعة بصرية، تحفظ الروح والهوية الإماراتيتين، كما لديَّ طموح كبير لإصدار كتاب يجمع هذه الصور، وتلك الحوارات؛ ليكون مرجعاً يخلد قيم أجدادنا، وقصصهم.
كيف يمكن للشباب المبدعين تقديم أعمالٍ تنبض بالهوية المحلية، بلمسةٍ متجددة؟
السر يكمن في ابتكار لغتنا البصرية الخاصة، وليس في محاكاة الأنماط الجاهزة. ولطالما أدركت أن جمالياتنا المحلية تمتلك من العمق ما يكفي لجعلها لغةً عالمية؛ فالمصور المبدع ليس من يتقن استخدام أدواته فحسب، بل من لديه، أيضاً، «العين» التي تلتقط التفاصيل المنسية في «روتيننا» اليومي، سواء في ملمس قطعة قماش، أو زاويةٍ في مبنى قديم، نمرُّ أمامه يومياً دون التفات. نحن، اليوم، نعيد قراءة التراث بعيونٍ معاصرة؛ لنحول الموروث إلى لوحاتٍ حية، تروي قصة التطور الإماراتي.. بكل فخر!