قد تبدو رَمْشة عين متكررة، أو حركة مفاجئة في الوجه أو الكتف، أو صوت يصدر دون قصد، مجرد «عادة» يمكن التخلص منها بقليل من الإرادة.. لكن، خلف هذه التفاصيل، التي قد يلاحظها الآخرون سريعاً، يمكن أن تكون هناك حالة تُعرف بـ«اضطرابات العَرّات» (Tic Disorders)، وهي حركات، أو أصوات مفاجئة ومتكررة، يصعب على الشخص التحكم فيها. وتتفاوت «العَرّات» في أشكالها، وحِدَّتها، ومدتها؛ فقد تكون مؤقتة، وقد تستمر فترة أطول. فيما تمثل «متلازمة توريت» أحد أشكال «اضطرابات العَرّات»، التي تجمع بين «العَرّات» الحركية، والصوتية. وإذا كانت الحركات، أو الأصوات اللاإرادية، في حد ذاتها، لا تعني وجود مشكلة نفسية، فإن القلق، والضغط النفسي، ونظرات الآخرين، وتعليقاتهم، قد تجعل التجربة أكثر صعوبة، لاسيما لدى الأطفال، والمراهقين.. فماذا يحدث عندما يحاول الطفل كبت هذه الحركات؟.. ولماذا تزداد، أحياناً، في أوقات التوتر، والإرهاق؟.. ومتى تستدعي العلاج؟.. للإجابة عن هذه الأسئلة؛ التقت «زهرة الخليج» بشرى الزبيدي، الأخصائية النفسية الإكلينيكية في مركز ستانفورد الطبي؛ التي تشرح طبيعة «اضطرابات العَرّات»، وتأثيرها النفسي والاجتماعي، وطرق التعامل معها، وعلاجها.

ليست «عادةً سيئةً»

تبدأ بشرى الزبيدي بتصحيح أحد أكثر المفاهيم شيوعاً حول الحركات، أو الأصوات اللاإرادية، فتوضح أنها حركات، أو أصوات، لا إرادية ومتكررة، تصدر من دون قصد.. تقول: «قد يصنفها البعض على أنها (عادة سيئة)، يمكن إيقافها بالإرادة. بينما تكون السيطرة عليها - في الواقع - أصعب بكثير مما نتوقع بالنسبة إلى المصاب». وتشدد على أن ظهور الحركات، أو الأصوات، اللاإرادية لا يعني - بالضرورة - أن الشخص يعاني مشكلة نفسية، وتصف هذا الاعتقاد بأنه من أكثر الأفكار المغلوطة المرتبطة بالحالة.. وتوضح: «ليس كل ما يظهر في صورة حركة، أو سلوك مختلف، يعني أنه مصحوب باضطراب نفسي؛ فـ(العَرّات) ترتبط، أساساً، بعوامل عصبية ونمائية، وقد يكون للعوامل الوراثية دور في ظهورها أيضاً». أما الحالة النفسية، فقد تؤثر في حدة الحركات، أو الأصوات اللاإرادية، ولا يعني ذلك أنها السبب المباشر فيها؛ فالضغط النفسي، والقلق المرتفع، والإرهاق، قد تجعل «العَرّات» أكثر وضوحاً، أو تكراراً.

  • «اضطرابات العَرّات» الجسد ينطق دون قصد

متى تصبح «توريت»؟

تبين الأخصائية النفسية الإكلينيكية أن تمييز أنواع «اضطرابات العَرّات» يعتمد، بصورة أساسية، على نوع «العَرّة»، والمدة التي تستمر خلالها. فإذا ظهرت العَرّة لمدة تقل عن سنة، فقد تُصنّف «اضطراب عَرّات» مؤقتاً. أما استمرارها سنةً، أو أكثر، فيستدعي النظر إلى نوعها؛ فإذا كانت حركية أو صوتية، دون اجتماع النوعين، فقد تُصنّف «اضطراب العَرّات» الحركية أو الصوتية، المستمر. وتضيف: «في (متلازمة توريت)، يكون الشخص قد مرّ، خلال مسار الحالة، بعَرّات حركية عدة، إضافة إلى عَرّة صوتية واحدة، أو أكثر، وليس ضرورياً أن تظهر العَرّات الحركية، والصوتية، في الوقت نفسه. كما يجب أن تستمر العَرّات لمدة سنة على الأقل، منذ ظهور العَرّة الأولى، حتى إن تغيرت حدتها، خلال هذه الفترة، وأن تبدأ قبل سن الـ18».

التوتر يزيد الاضطرابات 

إن الحركات أو الأصوات اللاإرادية بطبيعتها متذبذبة؛ فقد تزداد في فترة، ثم تتراجع في أخرى.. توضح بشرى الزبيدي أن مصابين كثيرين يلاحظون زيادة حدتها، خلال فترات التوتر، أو الإرهاق الشديد، لكن المشكلة قد تتضاعف؛ عندما يصبح الخوف من «العَرّات» مصدراً جديداً للقلق، وتشرح: «قد ينشغل الشخص بالتفكير في أن التوتر سيزيد العَرّات، أو أن الآخرين سيلاحظونها؛ فيضيف بذلك ضغطاً جديداً إلى الضغط الموجود أساساً. لذلك، لا يكون الهدف أن نقول له: لا تتوتر، وإنما أن نساعده على فهم التوتر، وتنظيمه، والتعامل معه بصورة أفضل، دون أن يعيش في مراقبة مستمرة لعَرّاته، أو في خوف من نظرة الآخرين». وقد يتمكن بعض الأشخاص من كبت الحركات أو الأصوات اللاإرادية لفترة، لكن ذلك لا يعني أنها إرادية.. تقول الأخصائية النفسية الإكلينيكية: «يمكن للشخص أحياناً كبتها، لكن بصعوبة، وقد يكون ذلك متعباً جداً. ونلاحظ هذا خاصةً لدى الأطفال؛ فقد يستطيع الطفل السيطرة عليها لساعات أثناء وجوده في المدرسة، ثم تعود بحِدَّة أكبر عند وصوله إلى المنزل، بعد قضائه وقتاً طويلاً في محاولة كبتها».

نظرات الآخرين 

قد لا تكون «العَرّة» نفسها أكثر ما يُتعب الطفل أو المراهق؛ بل ردود فعل المحيطين به. فالنظرات، والابتسامات الساخرة، والتعليقات، والأسئلة المتكررة حول حركاته، يمكن أن تزيد وعيه بذاته، وتدفعه تدريجياً إلى الخجل، أو تقليل مشاركاته، أو تجنب بعض المواقف الاجتماعية.. تقول بشرى الزبيدي: «بالنسبة إليَّ، لا ينبغي أن يقتصر العلاج على سؤال: كيف نخفف العَرّة؟.. فمن المهم، أيضاً، أن نسأل: كيف أصبح الشخصُ يرى نفسه بسببها؟». وقد تتزامن «اضطرابات العَرّات» مع حالات أخرى، من بينها: «اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، والوسواس القهري والقلق»؛ ما يجعل التقييم الشامل مهماً. وتوضح الأخصائية النفسية الإكلينيكية: «في كثير من الأحيان، نكتشف أن أكثر ما يرهق الشخص ليس (العَرّات) نفسها، وإنما حالة أخرى مصاحبة لها».

كلمة قد تزيد العبء

وفي التعامل مع الأطفال، تنصح بشرى الزبيدي بأن تكون البداية من النظرة الطبيعية، وعدم المراقبة المستمرة؛ فعبارات مثل: «توقف!»، أو «تحكم في نفسك!»، قد تصدر من الأهل بحسن نية، لكنها قد تجعل الطفل يشعر بأن هناك شيئاً خاطئاً فيه. لذلك، تؤكد ضرورة التعامل مع «العَرّة» بهدوء، ومن دون تهويل، إلى جانب توعية الأشخاص المحيطين بالطفل بعدم إظهار ردود فعل سلبية تجاهه. وتختصر القاعدة الأساسية في ثلاثة أمور: «لا عقاب، ولا إحراج، ولا سخرية». ولا تعني الحركات أو الأصوات اللاإرادية أن الطفل يحتاج إلى علاج. لكن إذا استمرت، أو أصبحت شديدة، أو سببت ألماً، أو ضيقاً نفسياً، أو بدأت تؤثر في الدراسة، والنوم، والعلاقات الاجتماعية، والحياة اليومية، فتنصح الزبيدي بمراجعة المختصين؛ لإجراء التقييم المناسب.

هل يمكن علاج الحركات أو الأصوات اللاإرادية؟

هناك تدخلات علاجية، يمكن أن تساعد، بشكل كبير، في إدارة «العَرّات»، وتقليل تأثيرها في الحياة اليومية، ومن أبرزها «التدخل السلوكي الشامل للعَرّات» (CBIT)، وهو علاج سلوكي يساعد الشخص في زيادة وعيه بالعَرّات، والمحفزات المرتبطة بها، وتعلم استجابات تساعده في إدارتها.. وتبين الزبيدي أن الطبيب قد يلجأ، في بعض الحالات، إلى العلاج الدوائي؛ عندما تكون الأعراض شديدة، أو مؤثرة بصورة واضحة في حياة الشخص. كما تحمل السنوات، لدى كثير من المصابين، أخباراً إيجابية، فيمكن أن تخف «العَرّات» بوضوح مع التقدم في العمر، وقد تصبح بسيطة جداً، أو تختفي لدى البعض. والأهم، بحسب الزبيدي، أن الحركات أو الأصوات اللاإرادية لا تلغي قدرة الشخص على الدراسة، أو العمل، أو تكوين العلاقات والعيش بصورة طبيعية، مضيفة: «في كثير من الأحيان، تكون البيئة المحيطة هي التي تحتاج إلى التغيير، وليس الشخص المصاب؛ لتصبح أكثر تقبلاً واحتواءً للاختلاف».

أنت أكبر!

وتختم بشرى الزبيدي، الأخصائية النفسية الإكلينيكية، حديثها برسالة تبدأ من الأسرة: «لا تجعلوا خوفكم على أطفالكم يؤدي إلى خوف أطفالكم من أنفسهم. فعندما يسمع الطفل باستمرار عبارات تنم عن الخجل، أو تُطلب منه، مراراً، السيطرة على الحركات أو الأصوات اللاإرادية، والتفكير في نظرة من حوله، قد تتحول المسألة من مجرد عَرّة إلى شعور أعمق بالخجل، والقلق، والمراقبة المستمرة للذات». أما المصاب بـ«العَرّات»، فتقول له: «أنت أكبر من أي تشخيص، وأكبر من أي حركة، وصوت، قد يلاحظهما الآخرون. و(العَرّة) جزء من تجربتك، ولا تختصرك». وتوجه رسالتها الأخيرة إلى المجتمع: «ليست كل حركة مختلفة نلاحظها تحتاج إلى تعليق أو سؤال. فأحياناً، يكون أفضل دعم يمكن أن نقدمه هو أن نتعامل بشكل طبيعي، وأن نمنح من أمامنا الشعور بأنه مقبول، دون أن يكون اختلافه أول ما نراه فيه».