لم تعد تربية الأطفال مسألة تعتمد فقط على الخبرة العائلية، أو ما يتوارثه الآباء من أجيال سابقة. فاليوم، تحيط بالأم، والأب، مئات النصائح والمناهج والآراء حول كل تفصيل، تقريباً، في حياة الطفل، من النوم والتغذية، إلى التعامل مع نوبات الغضب، ووضع الحدود، واستخدام الشاشات.

ومع اتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومات التربوية متاحة بكثافة غير مسبوقة، لكن هذه الوفرة لا تعني، دائماً، مزيداً من الوضوح. فالأبحاث تشير إلى أن نحو ثلثي الآباء والأمهات، الذين لديهم أطفال صغار، يشعرون بالإرهاق من كثرة المعلومات المتعلقة بالتربية، ويجدون صعوبة في التعامل مع النصائح المتعارضة، فيما يلجأ كثيرون إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ بحثاً عن الدعم.

وهنا، يبرز سؤال أساسي: هل يحتاج الأهل، فعلاً، إلى مزيد من النصائح، أم أن كثرتها قد تجعل التربية أكثر تعقيداً، وتزيد الشعور بعدم اليقين؟

  • نصائح لتربية الأطفال.. متى «تُربك» كثرتُها الأهل؟

خلال العقود الماضية، ظهرت اتجاهات تربوية متعددة، لكلٍّ منها لغته، ومفاهيمه، وأدواته. فهناك التربية المفرطة في الحماية والمراقبة، والتربية الصارمة ذات التوقعات المرتفعة، وأساليب تحاول إزالة العقبات من طريق الطفل، وأخرى تسعى إلى تحقيق توازن بين الحزم، والمرونة.

كما برز مفهوم «التربية اللطيفة»، الذي يركز على التعاطف، والاحترام المتبادل، وتقليل الاعتماد على العقاب، مع التأكيد على أهمية وجود حدود واضحة.

وكثرة هذه الاتجاهات قد تجعل العلاقة بين الأهل والأطفال أكثر تعقيداً، رغم أن أساسها يمكن أن يكون أكثر بساطة: الدفء والحب من جهة، والحدود الواضحة من جهة أخرى. كما أن التحولات بين الأساليب التربوية أشبه بحركة «البندول»، إذ يحاول كل جيل تصحيح ما يعتبره أخطاء من الجيل السابق، لينتقل أحياناً من طرف إلى آخر.

متى تصبح النصيحة نفسها عبئاً؟

المشكلة لا تكمن، بالضرورة، في وجود النصائح، بل في تحولها إلى رسائل متنافسة، ومتواصلة، توحي للأهل بأن كل قرار يمكن أن يكون حاسماً في مستقبل أطفالهم.

إن الاهتمام بالتربية ازداد، بصورة كبيرة، منذ تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت الرسائل الموجهة إلى الأهل، تشمل تفاصيل متزايدة من الحياة اليومية، بدءاً من تغذية الرضع ونومهم، وصولاً إلى اختيار مستلزمات الأطفال. ورغم أن بعض حملات الصحة العامة كانت ضرورية، خصوصاً تلك التي استندت إلى أبحاث مهمة تتعلق بسلامة الأطفال، إلا أن تنامي «ثقافة النصائح» ساهم في جعل بعض الآباء أكثر قلقاً بشأن القيام بالأمور بالطريقة الصحيحة.

وبدلاً من الرسالة القديمة، التي تقوم على الثقة بقدرة الوالدين على اتخاذ القرارات، أصبح الخطاب المعاصر أكثر ميلاً إلى حثهم على طلب المزيد من المعلومات، والمساعدة.

والنتيجة، أن بعض الآباء أصبحوا أكثر تردداً في اتخاذ القرارات التربوية، وأكثر خوفاً من تأثير أي خطأ محتمل في مشاعر أطفالهم، أو صحتهم النفسية.

  • نصائح لتربية الأطفال.. متى «تُربك» كثرتُها الأهل؟

ليست كل النصائح متساوية:

يزداد الأمر تعقيداً؛ عندما لا تكون المعلومات المتداولة موثوقة بالضرورة. كما دفعت الحيرة المرتبطة بأساليب التربية المختلفة بعض الآباء إلى الالتحاق بدورات تدريبية متخصصة.

والصواب: لا ينبغي إعطاء الأهل مجموعة من القواعد لتطبيقها، وإنما مساعدتهم على التفكير، وفهم مشاعر أطفالهم، ومعرفة متى يحتاج الطفل إلى الدعم، ومتى يحتاج إلى حدود واضحة، إلى جانب الانتباه إلى مشاعرهم هم أيضاً. والتوجيه المفيد لا يتمثل في إخبار الآباء بكيفية تربية أطفالهم، وإنما في مساعدتهم على التفكير في مواقفهم، وقراراتهم.

وقد يكون هذا النوع من الدعم أكثر فائدة من إغراق الأهل بمعلومات جديدة، لأنه يمنحهم فرصة للنظر إلى المواقف من مسافة أوسع، ويذكرهم بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة تحديات التربية.

لا توجد وصفة واحدة لجميع الأطفال:

تؤثر في التربية عوامل كثيرة، لا يمكن اختزالها في منهج واحد، من بينها: شخصية الطفل، واحتياجاته التعليمية، والدعم الذي تحصل عليه الأسرة، والوضع المالي، إضافة إلى التجارب التي عاشها الوالدان في طفولتهما.

كما تختلف احتياجات الأطفال أنفسهم، حتى داخل الأسرة الواحدة، لذلك فإن نجاح أسلوب معين مع طفل لا يعني، بالضرورة، أنه سيحقق النتيجة نفسها مع طفل آخر. وهذا ما يجعل البحث عن «الأبوة المثالية»، أو «الأمومة المثالية»، هدفاً مرهقاً وليس واقعياً.