تبدأ حكاية الأمعاء مع كل وجبة نتناولها، وكل ساعة نقضيها في الجلوس، وحتى تلك الليالي، التي نحرم فيها أجسامنا من النوم الكافي، حيث إن داخل الجهاز الهضمي عالم كامل من الكائنات الدقيقة، التي تعمل في صمت، وتتأثر بتفاصيل يومنا أكثر مما نتخيل.

وبين كوب ماء ننسى تناوله، ووجبة تفتقر إلى الألياف، وخطوات قليلة نقطعها طوال اليوم، تتشكل عادات قد تنعكس على راحتنا، وصحتنا. فصحة الأمعاء تبدأ من قرارات يومية تبدو عابرة، لكنها تصنع مع الوقت فارقاً حقيقياً في الهضم، والتوازن الداخلي للجسم.

  • صحة الأمعاء تبدأ من العادات اليومية.. تفاصيل صغيرة تصنع فرقاً

أهمية صحة الأمعاء للجسم:

للأمعاء دور بارز في عملية الهضم، حيث تكسر الطعام، وتمتص العناصر الغذائية، التي يحتاج إليها الجسم؛ للحصول على الطاقة، والحفاظ على وظائفه المختلفة، وتضم مجتمعات متنوعة من الكائنات الدقيقة، من بينها البكتيريا النافعة، التي تشكل جزءاً من الميكروبيوم المعوي.

والميكروبيوم المعوي هو مجموعة الكائنات الدقيقة، التي تعيش داخل الجهاز الهضمي، وتتفاعل مع الطعام الذي نتناوله، ومع وظائف الجسم المختلفة، وتساهم في تخمر بعض أنواع الألياف، التي لا يستطيع الجسم هضمها بالكامل، وإنتاج مركبات تساعد على دعم صحة بطانة الأمعاء.

كذلك، ترتبط صحة الأمعاء بوظائف الجهاز المناعي، إذ تتفاعل الكائنات الدقيقة الموجودة فيها مع الخلايا المناعية، وتساهم في تنظيم بعض الاستجابات المناعية. لذا تشكل صحة الأمعاء جزءاً من منظومة متكاملة للحفاظ على الصحة العامة.

الألياف الغذائية.. أساس يومي لصحة الأمعاء:

تعد الألياف الغذائية من أهم العناصر، التي ينبغي الاهتمام بها عند تحسين صحة الأمعاء، لأنها تنظم حركة الجهاز الهضمي، وتغذي أنواعاً من البكتيريا النافعة الموجودة في القولون. وتوجد الألياف في مجموعة واسعة من الأطعمة، من بينها: الخضراوات، والفواكه، والبقوليات، والحبوب الكاملة، والمكسرات، والبذور، ويمكن الحصول عليها من خلال تناول الشوفان، والعدس، والفاصوليا، والتفاح، والكمثرى، والجزر، والبروكلي، وخبز الحبوب الكاملة.

وتساعد أنواع الألياف على زيادة حجم البراز، وتسهيل مروره، بينما تذوب أنواع أخرى في الماء، وتتعرض للتخمير بواسطة بكتيريا الأمعاء، ما يؤدي إلى إنتاج أحماض دهنية قصيرة السلسلة، ترتبط بدعم صحة القولون، ووظائفه.

ومن الأفضل زيادة كمية الألياف، تدريجياً، لأن التغيير السريع قد يؤدي إلى الغازات والانتفاخ، خصوصاً لدى الذين يعانون حساسية الجهاز الهضمي، بالإضافة إلى ضرورة تناول كمية مناسبة من السوائل؛ للمساعدة في أداء الألياف وظيفتها.

ولا يتطلب تحسين النظام الغذائي تغييرات جذرية؛ فقد يكون البدء بإضافة ثمرة فاكهة يومياً، أو استبدال جزء من الحبوب المكررة بالحبوب الكاملة، خطوة عملية يمكن الاستمرار عليها.

  • صحة الأمعاء تبدأ من العادات اليومية.. تفاصيل صغيرة تصنع فرقاً

تنويع الطعام يدعم البكتيريا النافعة:

لا يتعلق الاهتمام بصحة الأمعاء بتناول نوع واحد من الأطعمة، أو الاعتماد على مكون غذائي بعينه، بل بتوفير مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية، التي تساعد على دعم الميكروبيوم المعوي، إذ يساهم تنويع الخضراوات، والفواكه، والبقوليات، والحبوب الكاملة، والمكسرات، والبذور في توفير أنواع مختلفة من الألياف، والمركبات النباتية التي تستخدمها الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء.

وتدخل الأطعمة المخمرة إلى النظام الغذائي، مثل الزبادي، الذي يحتوي على بكتيريا حية، أو بعض أنواع الكفير، والمخللات المخمرة بطريقة مناسبة، لكن من المهم الانتباه إلى أن الأطعمة المخمرة ليست متشابهة في محتواها؛ فبعض المنتجات لا تحتوي على كائنات حية بعد التصنيع، كما أن المخللات قد تحتوي على كميات مرتفعة من الملح.

ولا توجد ضرورة لشراء منتجات باهظة الثمن من أجل تحسين صحة الجهاز الهضمي، لأن الوجبات المنزلية المتنوعة، التي تضم: الخضراوات، والبقوليات، والحبوب الكاملة، تكون أساساً مناسباً لنمط غذائي داعم لصحة الأمعاء.

الحركة اليومية.. عادة بسيطة لتحسين الهضم:

النشاط البدني يدعم حركة الأمعاء، ويقلل بعض أعراض الإمساك لدى الكثير من الأشخاص، ولا يشترط تحقيق هذه الفائدة من ممارسة تمارين شاقة، أو قضاء ساعات طويلة في صالة الألعاب الرياضية. بينما يكفي المشي لمدة قصيرة بعد الوجبات، أو الوقوف والتحرك خلال ساعات العمل، أو استخدام السلالم، وكلها خطوات يمكن دمجها في الروتين اليومي، فضلاً عن أن تقليل فترات الجلوس المتواصلة قد يكون مفيداً للذين يعملون من المنزل، أو يقضون معظم يومهم أمام الشاشات.

ويمكن البدء بالمشي لمدة تراوح بين 10، و15 دقيقة، وفقاً للقدرة البدنية، ثم زيادة النشاط تدريجياً، والأهم هو الانتظام، واختيار شكل من الحركة يمكن الالتزام به دون إجهاد، أو ضغط غير ضروري.

  • صحة الأمعاء تبدأ من العادات اليومية.. تفاصيل صغيرة تصنع فرقاً

شرب الماء بانتظام يحسن حركة الجهاز الهضمي:

قد يبدو شرب الماء من أبسط العادات اليومية، لكنه يعزز عمل وظائف الجسم، بما في ذلك حركة الأمعاء. ويساعد الحصول على كمية مناسبة من السوائل على تليين البراز، خصوصاً عند تناول الأطعمة الغنية بالألياف.

وتختلف احتياجات الماء من شخص إلى آخر، وفقاً للطقس، ومستوى النشاط البدني، والحالة الصحية، وطبيعة النظام الغذائي، لذلك لا توجد كمية واحدة تناسب الجميع، فضلاً عن أن الماء الموجود في الطعام، والمشروبات الأخرى، يساهم في إجمالي السوائل، التي يحصل عليها الجسم.

ومن العادات المفيدة توزيع شرب الماء على مدار اليوم، من خلال الاحتفاظ بزجاجة ماء بالقرب منكِ؛ لتسهيل تذكر الشرب بانتظام.

النوم الجيد والتوتر.. تأثير يتجاوز الحالة المزاجية:

ترتبط صحة الأمعاء بالجهاز العصبي، من خلال شبكة معقدة، تُعرف باسم «محور الأمعاء والدماغ»، وهو مسار للتواصل المتبادل بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي، تشارك فيه إشارات عصبية، وهرمونية، ومناعية.

ويساعد هذا التواصل على تفسير سبب ظهور بعض الأعراض الهضمية، أو تفاقمها، خلال فترات الضغط النفسي، مثل: الشعور بالانتفاخ، أو تغير حركة الأمعاء لدى بعض الأشخاص، وقد يؤثر التوتر المزمن في وظائف الجهاز الهضمي، وحساسية الأمعاء.

ومن ناحية أخرى، قد يؤدي اضطراب النوم إلى التأثير في الشهية، واختيارات الطعام، والانتظام في العادات الصحية. لذلك، فإن الحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وتقليل استخدام الأجهزة الإلكترونية قبل النوم، وتخصيص وقت للاسترخاء، يمكن أن يدعم نمط الحياة الصحي بصورة عامة.

  • صحة الأمعاء تبدأ من العادات اليومية.. تفاصيل صغيرة تصنع فرقاً

تقليل الأطعمة فائقة المعالجة.. دون حرمان:

تحتوي بعض الأطعمة الفائقة المعالجة على كميات مرتفعة من السكريات المضافة، والدهون المشبعة، والملح، وقد تحل محل الأطعمة الطبيعية الغنية بالألياف في النظام الغذائي. وعندما يعتمد الشخص عليها بصورة أساسية، قد يقل تنوع العناصر الغذائية، التي تصل إلى بكتيريا الأمعاء.

ومن المهم، أيضاً، عدم تصنيف جميع الأطعمة المصنعة على أنها ضارة؛ فأطعمة، مثل: الخضراوات المجمدة، والبقوليات المعلبة، والشوفان، قد تكون خيارات عملية ومغذية، حتى إن مرت بعمليات تصنيع بسيطة.