في زحمة الكلمات السريعة، التي تملأ عالمنا اليوم، قد يمرر الكثيرون منا جملة عابرة دون توقف، لكنها بالنسبة لنحو سبعين مليون شخص حول العالم، تشكل معركة يومية صامتة ومستمرة.. ففي الثاني والعشرين من أكتوبر، من كل عام، يحيي العالم مناسبة «اليوم العالمي للتلعثم» (التأتأة)، وهو حدث عالمي انطلق، رسمياً، عام 1998؛ ليضع حداً للصمت المطبق المفروض على هذه الحالة، وليزيد الوعي المجتمعي بأبعادها: الإنسانية، والنفسية، والاجتماعية، بعيداً عن الصور النمطية، أو «التنمر» الذي يضاعف معاناة المصابين بها.

  • «اليوم العالمي للتأتأة».. حكايات شجاعة وأملٌ يتحدى «الحروف المتقطعة»

ولا تعبر «التأتأة» (التلعثم)، وفقاً للتعريفات الطبية والنفسية المعتمدة لدى منظمة الصحة العالمية، عن ضعف في القدرات العقلية، أو نقص في الذكاء، بل هي اضطراب عصبي ونطقي يتداخل فيه الجانب الوراثي، والعضوي، والنفسي. وتبدأ الأعراض، غالباً، في مراحل الطفولة المبكرة، حيث يجد الشخص صعوبة في إخراج الكلمة بسلاسة، فتتكرر الحروف، أو تطول، أو يتوقف الصوت تماماً لفترات قصيرة تسمى «البلوكات الكلامية».

«التأتأة» ليست مقياساً للذكاء.. كيف يصنع الدعم فرقاً؟

تشير «رابطة التأتأة البريطانية British Stuttering Association» إلى أن الضغط النفسي، والقلق الاجتماعي، قد يضاعفان حدة «التأتأة»، لكنهما ليسا المسبب الرئيسي لها، وتكمن المأساة الحقيقية، التي تواجه هؤلاء الأشخاص في نظرة المجتمع، حيث يتعرض الكثيرون منهم، خصوصاً النساء والفتيات اللواتي يواجهن ضغطاً مضاعفاً في مجالات العمل والاجتماعات، لمواقف محرجة، أو أحكام مسبقة تؤثر على ثقتهن بأنفسهن، وخياراتهن المهنية.

ومن هنا، يبرز دور مراكز التنمية البشرية والدعم النفسي، كون احتواء الشخص المصاب بـ«التلعثم» يبدأ من محيطه الأقرب. فالعائلات، التي تمنح أبناءها مساحة كافية؛ للحديث دون مقاطعة أو استعجال، وتتجنب إكمال الجمل نيابة عنهم، تساهم بشكل جذري في تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتقليل حدة التوتر لديهم. كما تلعب جلسات النطق والتخاطب المعاصرة، المدعومة بأحدث التقنيات العلاجية والنفسية، دوراً محورياً في إعادة تدريب عضلات النطق، وإكساب المصابين مهارات السيطرة على النفس، والتنفس العميق أثناء الكلام.

وفي دولة الإمارات، تحظى قضايا الدمج المجتمعي، ودعم أصحاب التحديات النطقية، باهتمام رسمي ومجتمعي استثنائي، انسجاماً مع الرؤية الوطنية الشاملة، التي تُرسيها القيادة الرشيدة؛ لجعل الدولة بيئة حاضنة ومحفزة لكل طاقات أفراد المجتمع. وتعمل المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها: مراكز التأهيل التخصّصية، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، على توفير أحدث البرامج العلاجية والنفسية، وبرامج التخاطب وفق أعلى المعايير العالمية. ولا يقتصر هذا الاهتمام على الجانب العلاجي فحسب، بل يمتد ليشمل نشر التوعية والتثقيف المجتمعي؛ لكسر حاجز الخوف والخجل، وتمكين المصابين بـ«التلعثم»، خصوصاً الأطفال والشباب، من التعبير عن أنفسهم بكل ثقة وطلاقة، ليكونوا فاعلين ومساهمين، بتميز، في مسيرة البناء، والتنمية المستدامة.

  • إميلي بلانت

شخصيات عالمية تحدّت «التأتأة».. فألهمت الملايين:

ولأن الإرادة الإنسانية قادرة على تحويل الضعف الظاهري إلى نقطة انطلاق نحو التميز، استطاع عدد كبير من الشخصيات العالمية والعربية البارزة تجاوز عقبة «التأتأة»، والوصول إلى قمم المجد في مجالات: الفن، والأدب، والسياسة، والرياضة، فأصبحوا ملهمين لملايين البشر حول العالم، ومن أبرزهم:

- مارك أنتوني: النجم العالمي الشهير، الذي وجد في الغناء والموسيقى وسيلةً سحريةً لتجاوز «التأتأة» الشديدة، التي عاناها في طفولته، مؤكداً أن الموسيقى كانت لغته البديلة، التي لا تعرف التعثر.

- إميلي بلنت: النجمة البريطانية المتألقة، التي صرحت، علناً، بمعاناتها الشديدة مع «التأتأة» في طفولتها، وكيف ساعدتها دروس المسرح والتمثيل على تدريب نبرة صوتها، والسيطرة على مخارج حروفها؛ لتصبح من أهم نجمات هوليوود.

- جيمس إيرل جونز: الصوت الأيقوني الخالد لشخصية «دارث فيدر»، في سلسلة «حرب النجوم»، الذي عزلته «التأتأة» التامة، لسنوات طويلة، في صفوف الدراسة الابتدائية قبل أن يكتشف سحر الشعر، والإلقاء الذي قاده ليكون أحد أعظم الأصوات في تاريخ السينما.

- بروس ويليس: الممثل الهوليوودي العالمي، الذي تحدى «التأتأة»، التي رافقته منذ صفوف المدرسة، واكتشف أن حفظ النصوص، والأداء الدرامي، كانا بوابته الكبرى؛ لتجاوز هذا الحاجز النفسي، والخطابي.