يقضي كثيرون سنوات وهم يؤجلون الشعور بالسعادة إلى ما بعد إنجاز معين، مثل: الحصول على وظيفة أفضل، أو الوصول إلى دخل أعلى، أو علاقة مستقرة، أو هدف طال انتظاره، لكن المفارقة أن الوصول إلى هذه المحطات لا يمنح دائماً الشعور المتوقع، فيما تشير أبحاث نفسية إلى أن بعض مصادر الرضا قد تكون أبسط وأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية.

  • المال ليس وحده.. أسباب عدة للسعادة

وبحسب تقرير نشره موقع «Psychology Today»، يصعب وضع وصفة واحدة للسعادة تصلح للجميع، لأن معناها يتأثر بالثقافة والبيئة والقيم الشخصية، فما يعد نجاحاً أو حياة مُرْضية في مجتمع ما، قد يُنظر إليهما بصورة مختلفة تماماً في مجتمع آخر.

ورغم هذه الفروق، برز سلوكان في أبحاث أُجريت على مجموعات متنوعة من الناس، وظهرت علاقتهما بالشعور بالسعادة في أكثر من سياق، مثل: فعل الخير، والحركة الجسدية. ففي تجربة شملت 683 شخصاً من 29 دولة، لم يطلب الباحثون من المشاركين تغيير حياتهم، أو تحقيق أهداف كبيرة، بل ممارسة أعمال بسيطة من اللطف لمدة سبعة أيام. وبعض هذه الأفعال وُجه إلى أشخاص مقربين، وبعضها إلى معارف، وبعضها الآخر إلى الذات. وفي نهاية الأسبوع، ارتبطت زيادة أعمال اللطف بارتفاع الشعور بالسعادة، بصرف النظر تقريباً عمن تلقى هذا اللطف، فلم يكن ضرورياً أن يكون المستفيد صديقاً مقرباً، ولم يكن الفعل بحاجة إلى أن يكون كبيراً أو ملحوظاً، مجرد تكرار السلوك كان مرتبطاً بتحسن المزاج والرضا.

وهذه النتيجة تعيد الاعتبار إلى الطبيعة الاجتماعية التي تولد السعادة؛ فالشعور بالرضا لا يأتي دائماً من الحصول على شيء، بل قد ينشأ أيضاً من تقديم شيء، ولو كان بسيطاً.

أما المسار الثاني، فيمر عبر الجسد، فمراجعة بحثية تناولت دراسات من دول ومناطق مختلفة وجدت ارتباطاً متكرراً بين النشاط البدني وارتفاع مستويات السعادة. واللافت أن التأثير لم يكن حكراً على من يمارسون الرياضة بصورة مكثفة. فحتى مستويات محدودة من الحركة ارتبطت بتحسن في الحالة النفسية لدى بعض المشاركين، بمن فيهم: كبار السن وأشخاص في مراحل التعافي من المرض، سواء كانت الحركة في صورة تمارين هوائية أو تمارين تمدد وتوازن.

وهذا يغيّر الصورة التقليدية التي تربط الرياضة بالتدريب الطويل أو الاشتراك في نادٍ رياضي، فالمشي السريع، وصعود الدرج، وركوب الدراجة، والعمل في الحديقة، وحتى بعض الأعمال المنزلية، يمكن أن تضيف قدراً من الحركة إلى اليوم من دون أن تتحول الحياة إلى برنامج رياضي صارم.

  • المال ليس وحده.. أسباب عدة للسعادة

ويرتبط هذا الأثر بعوامل عدة؛ فالنشاط الجسدي يؤثر في مواد كيميائية مرتبطة بالمزاج، وقد يساعد على تخفيف التوتر وتحسين النوم والطاقة، فضلاً عن الشعور بالإنجاز الذي يصاحب الحركة نفسها.

وربما ما يجمع بين اللطف والحركة أنهما لا يتطلبان انتظار ظرف مثالي، فلا يحتاج الإنسان إلى تغيير عمله أو دخله أو حياته بالكامل ليبدأ بهما، كما لا يحتاج إلى خطة طويلة الأمد. فكلاهما يدخل بسهولة في تفاصيل اليوم العادي، على سبيل المثال، مساعدة صغيرة، أو كلمة جيدة، أو جولة قصيرة سيراً على الأقدام، أو دقائق من الحركة بدلاً من الجلوس.

ولا يعني ذلك أن السعادة يمكن اختزالها في عادتين، أو أن هذين السلوكين يلغيان أثر الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية المعقدة، لكن الأبحاث تشير إلى أن بعض التحسينات في الشعور بالرضا قد تبدأ من أفعال أبسط بكثير من الأهداف الكبرى التي يربط الناس بها سعادتهم عادة، وربما تكون الفكرة الأهم هنا أن السعادة لا تأتي دائماً في نهاية الطريق، فأحياناً تظهر في الطريقة التي نعيش بها الطريق نفسه.