في الخامس والعشرين من أكتوبر من كل عام، تستعيد بعض المدن الإيطالية تقليداً يرتبط بتاريخ الحِرَف اليدوية، من خلال الاحتفال بحرفة الإسكافيين. وفي بعض المناطق، تبدأ الاحتفالات في اليوم السابق؛ لتتحول المناسبة إلى مساحة تستحضر تاريخ مهنة ارتبطت بالحياة اليومية، وبمهارة اليد البشرية، وبعلاقة طويلة بين الإنسان، وما يقتنيه من أشياء.
-
إيطاليا تحتفي بالإسكافيين
ولكن، وراء هذه المناسبة، التي تبدو للوهلة الأولى احتفالاً تراثياً بسيطاً، تختبئ حكاية أوسع عن التحولات، التي أصابت الحِرَف التقليدية في المجتمعات الحديثة.. فإيطاليا، التي رسّخت مكانتها العالمية في صناعة الأحذية، والمنتجات الجلدية، تواجه مفارقة لافتة: صناعة لا تزال تحظى بمكانة كبيرة في عالم الموضة، في مقابل تراجع هادئ بمهنة إصلاح الأحذية، التي اعتمدت طويلاً على الخبرة المتراكمة، والعمل اليدوي، والصبر.
وهكذا، لا تعتبر هذه المناسبة مجرد استعادة ذكرى بمن ارتبطت أسماؤهم بمهنة قديمة فحسب، بل فرصة لتأمل قيمة العمل الحِرَفي، ومصير المهارات التي تحتاج إلى سنوات ليتقنها أصحابها، بينما قد تتراجع خلال جيل واحد؛ إذا غابت الظروف التي تسمح باستمرارها.
إيطاليا.. بين صناعة عالمية وحِرْفة تتراجع:
تحتل صناعة الأحذية موقعاً مهماً في تاريخ التصنيع الإيطالي، الذي ارتبط، في مناطق عدة، بالتخصص الحِرَفي، وبالتكامل بين الخبرة اليدوية، والإنتاج الصناعي، وبالاهتمام بالتفاصيل، وجودة التشطيب، وقد ساعد هذا الإرث على ترسيخ صورة إيطاليا؛ بوصفها إحدى الوجهات البارزة في صناعة الأحذية، والمنتجات الجلدية.
ومن المناطق المرتبطة بهذا التاريخ سان ماورو باسكولي، التي تُعرف بصلتها بصناعة الأحذية، غير أن نجاح صناعة الأحذية على المستوى التجاري لا يعني، بالضرورة، أن جميع المهن المرتبطة بها تتمتع بالازدهار نفسه.
-
إيطاليا تحتفي بالإسكافيين
فهناك فارق بين إنتاج أحذية جديدة وتسويقها، وبين الحفاظ على الحِرْفة التي تمنح الأحذية القديمة فرصة للاستمرار. فالأولى تستفيد من تجدد الطلب، وتنوع التصاميم، واتساع الأسواق. بينما يعتمد إصلاح الأحذية على استعداد المستهلك للاحتفاظ بما لديه، وعلى وجود حِرَفيين يمتلكون المهارة والوقت، وعلى أن تكون تكلفة الإصلاح معقولة، مقارنة بسعر البديل.
وهنا تظهر المفارقة: قد تحتفظ صناعة الأحذية بحضورها في واجهات المتاجر، وعروض الموضة. فيما تتقلص المساحة، التي تشغلها ورش الإصلاح التقليدية في الحياة اليومية.
ولا يعني ذلك أن المهنة قد اختفت من إيطاليا، بل يعني أن التحدي يتمثل في تراجع حضورها، في ظل تغير أنماط الشراء والاستخدام، وصعوبة ضمان انتقال الخبرة إلى أجيال جديدة.
لماذا أصبح إصلاح الحذاء خياراً أقل شيوعاً؟
لا يمكن تفسير تراجع «مهنة الإسكافي» بالحنين إلى الماضي، أو بتغير الأذواق وحدهما؛ فهناك أسباب اقتصادية واجتماعية متشابكة، تجعل استمرار الحِرْفة أكثر صعوبة.
وأول هذه الأسباب أن تعلم هذه المهنة يحتاج إلى وقت طويل؛ فإتقان إصلاح الأحذية لا يتحقق بمجرد معرفة استخدام الأدوات، بل يتطلب تدريباً عملياً متواصلاً، وفهماً للمواد، وقدرة على التعامل مع أنواع مختلفة من التلف. وفي المقابل، لا تضمن أعمال الإصلاح، بالضرورة، عائداً مالياً يتناسب مع الوقت، والجهد، المبذولين فيها.
-
إيطاليا تحتفي بالإسكافيين
ويتمثل العامل الثاني في تسارع دورات الإنتاج والاستهلاك؛ فعندما تطرح العلامات التجارية مجموعات جديدة بوتيرة متقاربة، وتتنوع الخيارات المتاحة أمام المستهلك، يصبح شراء حذاء آخر قراراً سهلاً نسبياً، خصوصاً عندما يكون سعر الإصلاح مرتفعاً، مقارنة بسعر حذاء جديد.
أما العامل الثالث؛ فيرتبط بتغير العلاقة بين المستهلك وممتلكاته، فقد كان الاحتفاظ بزوج جيد من الأحذية لسنوات طويلة أمراً مألوفاً لدى كثير من الأسر، وكانت صيانته جزءاً من العناية بالمقتنيات. أما اليوم، فقد أصبح امتلاك عدة أزواج وتبديلها وفق الحاجة، أو المناسبة، أو الموضة، أكثر شيوعاً لدى شرائح من المستهلكين.
وتزداد المشكلة تعقيداً؛ عندما تكون بعض الأحذية مصممة، أو مصنعة بطريقة تجعل إصلاحها صعباً، أو غير مجدٍ اقتصادياً. فليست كل المنتجات قابلة للترميم بالدرجة نفسها، كما أن توافر قطع الغيار والمواد المناسبة قد يؤثر في قرار الإصلاح.
وبين هذه العوامل، يجد «الإسكافي» نفسه أمام معادلة دقيقة: مهنة تتطلب مهارة متخصصة، وسوق لا يضمن دائماً مردوداً كافياً، ومستهلك اعتاد الحصول على البديل بسرعة.
-
إيطاليا تحتفي بالإسكافيين
التراث يثير سؤالاً عن المستقبل:
وتمنح هذه المناسبة هذه الحِرْفة مساحة من الظهور في التقويم المحلي الإيطالي، ويعيد الاحتفال بما يحمله من صلة بالتقاليد المهنية، والتذكير بتاريخ الإسكافيين، والدور الذي أدوه في حياة المجتمعات.
لكن قيمة المناسبة لا تقف عند حدود استعادة الماضي؛ فالاحتفاء بالحرفيين يكتسب معناه الأعمق عندما يترافق مع الاهتمام بظروف عملهم، وبقدرتهم على الاستمرار، وبنقل مهاراتهم إلى من يأتي بعدهم.
فمن السهل أن تحتفل المدن بحرفها القديمة يوماً في العام، لكن الصعب هو ضمان وجود الحرفيين، الذين يمارسونها في الأيام الأخرى. وبين الرمزية التي يمنحها هذا الاحتفال بالمهنة، والواقع الاقتصادي الذي تواجهه، تتجلى الحاجة إلى تحويل التقدير الثقافي إلى اهتمام عملي.