قد يحمل العطر توقيعاً عطرياً واحداً داخل زجاجته، لكنه يروي حكاية مختلفة على كل بشرة؛ فالرائحة التي تستقبلينها بنفحات زهرية ناعمة على إحداهن، قد تبدو أكثر دفئاً، أو حِدَّة؛ عندما تلامس بشرتكِ أنتِ. وبينما تظن كثيرات أن سر الاختلاف في نوع البشرة وحده، تكشف الأبحاث العلمية عن مجموعة من العوامل المتداخلة، تبدأ من طريقة تبخر الجزيئات العطرية، وتفاعلها مع سطح الجلد، ولا تنتهي عند حرارة الجسم، ورائحته الطبيعية، وصولاً إلى الطريقة التي تفسر بها حاسة الشم الروائح.
-
لماذا تختلف رائحة العطر نفسه من امرأة إلى أخرى؟.. إليكِ التفسير العلمي
فما الذي يحدث للعطر بعد أن يلامس البشرة؟!.. ولماذا لا تمنحكِ الزجاجة نفسها التجربة العطرية، التي أحببتِها على امرأة أخرى؟
«كيمياء البشرة»:
يعد سطح الجلد بيئة بيولوجية وكيميائية معقدة، إذ يحتوي على الماء والدهون والأملاح ومكونات أخرى، كما تؤثر خصائصه الفيزيائية في كيفية انتشار المواد العطرية، وتبخرها، وبقائها على البشرة.
وعند رش العطر، تبدأ مكوناته في الانتقال من سطح الجلد إلى الهواء بمعدلات متفاوتة، وتختلف هذه المعدلات بحسب الخصائص الفيزيائية والكيميائية لكل جزيء عطري، بالإضافة إلى طبيعة السطح الذي وُضع عليه. لذلك، قد تختلف كمية بعض المكونات، التي تصل إلى الأنف من امرأة إلى أخرى، حتى عند استخدام التركيبة نفسها.
وفي دراسة، نُشرت عام 2025، في «International Journal of Cosmetic Science»، بحث العلماء العلاقة بين خصائص جزيئات العطور، وخصائص البشرة، ومعدلات التبخر. وأظهرت النتائج الأولية اختلاف أنماط تبخر بعض الجزيئات بين المشاركين، مع تأثر النتائج بنوع المركب العطري، وخصائص الجلد.
الدهون الطبيعية في البشرة:
الدهون الطبيعية التي تفرزها البشرة (الزهم)، لها تأثير واضح في خصائص سطح الجلد، حيث تؤثر في كيفية احتفاظ البشرة ببعض المركبات العطرية، خاصة أن عدداً من المواد المسؤولة عن الرائحة يذوب بصورة أفضل في البيئات الدهنية، مقارنة بالماء.
ولذلك، قد تعتقد بعض النساء أن البشرة الدهنية تجعل كل عطر أكثر ثباتاً، أو أن البشرة الجافة لا تستطيع الاحتفاظ بالعطور، لكنَّ التأثير يعتمد على طبيعة المركبات العطرية نفسها، ومدى تطايرها، وتفاعلها مع سطح الجلد.
-
لماذا تختلف رائحة العطر نفسه من امرأة إلى أخرى؟.. إليكِ التفسير العلمي
على سبيل المثال: قد يختلف سلوك المكونات الحمضية المنعشة، مثل بعض المركبات المستخدمة في الروائح الحمضية، عن سلوك المكونات الخشبية أو المسكية الأقل تطايراً. وقد تبقى بعض المركبات على البشرة فترة أطول، بينما تتبدد أخرى بسرعة أكبر، ما يغير التوازن بين مكونات الرائحة بمرور الوقت.
درجة حموضة البشرة:
درجة حموضة البشرة المعروفة باسم «مقياس الرقم الهيدروجيني» (pH)، من أكثر التفسيرات تداولاً عند الحديث عن اختلاف رائحة العطور بين امرأة وأخرى، وتنتشر نصائح جمالية تربط بين البشرة الحمضية أو القلوية، وبين ظهور الروائح الحلوة، أو الحادة، أو اختفاء بعض النغمات العطرية. ففي مقال، نشرته جامعة لوند عام 2020، أشار البروفيسور أولف إيليرفيك، أستاذ الكيمياء العضوية الحيوية في جامعة لوند السويدية، إلى أن الاختلاف في درجة حموضة الجلد بين الأشخاص محدود، وأنه لا يمثل تفسيراً رئيسياً مثبتاً لاختلاف رائحة العطور.
وقد أظهرت أبحاث سابقة أن بعض التحولات الكيميائية، الخاصة بمركبات معينة، تتأثر بظروف الوسط ومنها الحموضة، كما تناولت دراسة، منشورة عام 1996، احتمال حدوث تغيرات في بعض مكونات العطور تحت ظروف محددة.
حرارة الجسم:
هل سبق أن لاحظتِ أن عطركِ يبدو أكثر وضوحاً في يوم حار، بينما تصبح رائحته أقل بروزاً في الأجواء الباردة؟!.. يرتبط ذلك بطريقة تبخر المواد العطرية، حيث إن المركبات الكيميائية لا تتبخر بالمعدل نفسه، وترتفع معدلات تطاير كثير منها مع زيادة الحرارة، لأن الجزيئات الأصغر، والأكثر قابلية للتطاير، تتحرر إلى الهواء بسرعة أكبر من غيرها، وأن ارتفاع الحرارة يسرع هذه العملية.
-
لماذا تختلف رائحة العطر نفسه من امرأة إلى أخرى؟.. إليكِ التفسير العلمي
وعند تطبيق هذه الفكرة على العطور، قد تؤثر حرارة سطح البشرة في سرعة انطلاق بعض المكونات وانتشارها حول الشخص. لكن النتيجة ليست، بالضرورة، زيادة ثبات العطر؛ فقد تصبح الرائحة أكثر وضوحاً في البداية، ثم تتغير نسب مكوناتها مع تبخر المركبات الأكثر تطايراً.
بكتيريا الجلد.. ورائحة الجسم الطبيعية:
يحمل سطح الجلد مجتمعاً متنوعاً من الكائنات الحية الدقيقة، وهي «الميكروبيوم الجلدي»، الذي يختلف بين الأشخاص، وتتأثر خصائصه بموضع الجلد، والرطوبة، والعرق، وعوامل أخرى.
وتؤدي بعض البكتيريا دوراً في تكوين رائحة الجسم، إذ تستطيع تحويل مواد موجودة في إفرازات الجلد إلى مركبات ذات روائح مميزة، ومن هنا يأتي احتمال تداخل الرائحة الطبيعية للجسم مع العطر المستخدم.
العطر يتغير مع الوقت:
ولا تبقى رائحة العطر ثابتة، منذ لحظة رشه حتى نهاية اليوم؛ إذ تتكون العطور من مزيج من المركبات، التي تختلف في تطايرها وخصائصها، لذلك يتغير تركيب الرائحة، التي تصل إلى الأنف بمرور الوقت.
وتستخدم، في صناعة العطور، مفاهيم النفحات: العليا، والوسطى، والقاعدية؛ لوصف مراحل تطور الرائحة، رغم أن هذه المراحل ليست حدوداً زمنية صارمة تفصل بين مجموعات من المكونات.
-
لماذا تختلف رائحة العطر نفسه من امرأة إلى أخرى؟.. إليكِ التفسير العلمي
وعندما يستخدم شخصان العطر نفسه، قد تختلف سرعة انطلاق بعض المكونات من بشرتهما، لتختلف النسب للمواد العطرية الموجودة في الهواء حول كل منهما، وهذا يوضح سبب إدراك الرائحة بصورة أكثر انتعاشاً لدى شخص، وأكثر دفئاً أو خشبية لدى آخر.
كيف تختارين العطر المناسب لبشرتكِ.. وفقاً للعلم؟
إذا كنتِ قد جربتِ عطراً أعجبكِ على شخص آخر، ثم لم تحصلي على النتيجة نفسها، فلا تتسرعي في استبعاده، أو شراء زجاجة كاملة؛ اعتماداً على رائحته في المتجر، فالأفضل هو اختباره على بشرتكِ، وملاحظة تطوره على مدار اليوم.
إليكِ مجموعة من الخطوات العملية، التي تساعدكِ على تقييم العطر:
اختبري العطر على بشرتكِ مباشرة:
رشّي كمية صغيرة على منطقة مناسبة، ولا تعتمدي على ورقة الاختبار وحدها؛ لأنها مفيدة في تقييم الرائحة الأولية، لكنها لا تحاكي خصائص الجلد.
امنحيه وقتاً للتطور:
قيمي الرائحة بعد الرش مباشرة، ثم بعد نحو 30 دقيقة، وبعد عدة ساعات. وبهذه الطريقة ستعرفين النفحات التي تبرز على بشرتكِ، وطبيعة الرائحة في مراحلها المختلفة.
-
لماذا تختلف رائحة العطر نفسه من امرأة إلى أخرى؟.. إليكِ التفسير العلمي
اختبريه في ظروف متشابهة:
عند مقارنة عطرين، حاولي استخدام كميات متقاربة، وفي ظروف متشابهة من حيث الطقس، والنشاط البدني؛ حتى لا تختلط تأثيرات البيئة بتأثيرات التركيبة.
لاحظي درجة الثبات والفوحان:
قد يكون العطر واضحاً في البداية لكنه لا يستمر طويلاً، أو قد يكون هادئاً وقريباً من الجلد مع احتفاظه بأثر عطري لساعات. اختاري وفقاً لما تفضلينه بعيداً عن الاعتماد على قوة الرائحة الأولية وحدها.
جربي الترطيب غير المعطر عند الحاجة:
إذا كانت بشرتكِ جافة، فقد يساعد استخدام مرطب غير معطر، ومناسب لبشرتكِ، في تحسين حالة سطح الجلد، لكن لا تتوقعي أن يحول ذلك العطر إلى رائحة مختلفة تماماً، أو يضمن زيادة ثباته؛ والنتيجة تعتمد على تركيبة العطر، وخصائص البشرة.
ومن المهم، أيضاً، عدم فرك الرسغين بقوة بعد وضع العطر، وتجنب رش العطور على الجلد المتهيج، أو المصاب بالحساسية.