في «يوم العلم» لا تتوقف الأعلام الإماراتية المرفرفة في ميادين وساحات دولة الإمارات العربية المتحدة عند كونها مشهداً بصرياً يزين الميادين والشوارع، بل هي حكايات تختصر عقوداً من البناء والطموح، وتجسد معاني العزيمة والمستقبل المشرق. ففي الثالث من نوفمبر من كل عام تتجدد في هذه المناسبة الاستثنائية أرقى مشاعر الانتماء والولاء لوطن، تروى من خلاله حكاية وطنٍ اختار أن يجمع ألوان أحلامه تحت راية واحدة.

  • «يوم العلم».. محطة سنوية تتجدد فيها معاني الولاء والاعتزاز

قصة علم الاتحاد

تعود جذور هذه الراية الخالدة إلى ما قبل إعلان قيام الدولة بشهرين، حين أطلق «الديوان الأميري في أبوظبي»، عبر «صحيفة الاتحاد»، مسابقة واسعة النطاق لتصميم رمز يعبر عن هوية الدولة الوليدة ويجمع إمارات التأسيس تحت راية موحدة. وشهدت المبادرة تفاعلاً جماهيرياً وفنياً واسعاً تجاوز الألف تصميم، ليقع الاختيار النهائي على التصميم المبدع الذي قدمه المواطن عبدالله محمد المعينة، والذي ارتبط اسمه الخالد بواحدة من أبرز العلامات الفارقة في تاريخ الوطن.

أما اللحظة التاريخية الكبرى فكانت يوم الثاني من ديسمبر عام 1971، حين رُفع العلم الإماراتي للمرة الأولى بشموخ في «دار الاتحاد» بدبي، المعروفة بـ «قصر الضيافة»، على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليعلن بداية الحضور الرسمي لراية الاتحاد في مشهد ميلاد الدولة الحديثة.

ولم تكن الألوان الأربعة المختارة وليدة الصدفة البحتة، بل استلهمها المصمم من بيت شعري بليغ للشاعر صفي الدين الحلي يقول: "بيض صنائعنا خضر مرابعنا، سود وقائعنا حمر مواضينا". وبذلك التقت دلالات الكرم، والأرض الطيبة، والعزيمة، والتضحية، لتتحول الألوان من مجرد تكوين فني متناسق إلى رمز وطني جامع يختزل ذاكرة التأسيس.

تناغم وتلاحم وطني

يتألف علم دولة الإمارات العربية المتحدة، من مستطيل هندسي دقيق يبلغ طوله ضعف عرضه، ويحتضن شريطاً أحمر رأسياً يمتد بمحاذاة السارية ليشغل ربع مساحة العلم، بينما تتوزع المساحة المتبقية على ثلاثة أشرطة أفقية متساوية يتصدرها اللون الأخضر، يليها الأبيض في المنتصف، ثم الأسود في الأسفل. هذا التناسق الراقي جعل من الراية أيقونة بصرية فريدة تلامس القلوب وترافق جميع المحطات الوطنية والمجتمعية الكبرى.

يمثل «يوم العلم» محطة مضيئة تتلاقى فيها ذاكرة الوطن العريقة مع تطلعاته المستقبلية، حيث يستعيد المجتمع الإماراتي ملامح رحلة مذهلة انتقلت بالبلاد من مرحلة التأسيس إلى أفق واسع من التطور والازدهار. ولا يقتصر العلم المرتفع في هذه المناسبة على كونه رمزاً سيادياً، بل هو شاهد حي على مسيرة عمل متواصل قادتها رؤية استثنائية للآباء المؤسسين، تواصلت بجهود أجيال أبدعت في بناء مؤسسات الدولة وترسيخ مكانتها المرموقة عالمياً. وتؤكد هذه المسيرة أن ما تحقق من إنجازات لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة إرادة راسخة بأن الاتحاد هو القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها الطموحات الكبرى.

منذ أن أُقرّت مناسبة «يوم العلم» رسمياً عام 2012، بمبادرة رائدة أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حظيت المناسبة بمكانة متجددة ومتنامية في الوجدان الإماراتي. وقد تحولت بفضل هذه الرؤية إلى تقليد مجتمعي سنوي تتسع فيه دائرة المشاركة لتدمج جهود المؤسسات الحكومية والخاصة مع مبادرات الأفراد، ناشرة ثقافة الوعي بالرمزية الوطنية، وسلوكيات الاحترام والتقدير الواجبة تجاه الراية في شتى المجالات.

  • «يوم العلم».. محطة سنوية تتجدد فيها معاني الولاء والاعتزاز

لوحة وطنية نابضة بالحياة

في مشهد جماعي مفعم بالحب والولاء، تتناغم المشاعر وترفرف أعلام الإمارات في توقيت واحد عبر مختلف إمارات الدولة، من الساحات العامة والميادين الكبرى إلى واجهات المؤسسات التعليمية والأحياء السكنية. وحين تشرع الأعلام في الارتفاع في مختلف أرجاء الدولة، تبدو الإمارات كأنها تنبض بصوت واحد يعبر عن تلاحم نسيجها الوطني؛ فهذه اللحظات البديعة تمنح الصغار فرصة ذهبية للتعرف على دلالات العزة والانتماء، بينما تجدد لدى الكبار مشاعر الوفاء العميقة لوطن ارتبطت حكايتهم بحكايته الخالدة.

ولا يقتصر هذا الاحتفاء الجميل على أبناء الوطن وحدهم، بل يتسع ليشمل كافة المقيمين على هذه الأرض الطيبة من مختلف الجنسيات والثقافات. ففي الثالث من نوفمبر، تتلاقى القلوب حول راية الإمارات في تجسيد حي لبيئة مجتمعية تحتضن التنوع الثقافي في ظل قيم الاحترام والتسامح والتعايش السلمي. ويجد المقيمون في هذه المناسبة مساحة للتعبير عن تقديرهم لبلدهم الثاني، بينما يرى المواطنون فيها فرصة متجددة للفخر بهويتهم، لتتحول المناسبة إلى رسالة إنسانية راقية تكرس ثقافة السلام وتقبل الآخر، وتبني مجتمعاً أكثر تماسكاً واستقراراً تحت سماء واحدة.

غرس القيم الوطنية في النفوس

تضطلع مناسبة «يوم العلم» بدور تربوي وثقافي عظيم يتجاوز حدود مظاهر الاحتفال، لتغرس قيم الهوية الوطنية في وجدان الأطفال والشباب. فمن خلال الأنشطة المدرسية والفعاليات المجتمعية، يتعرف الناشئة على قصة تأسيس الاتحاد ودلالات الألوان الوطنية، ليكبروا وهم يدركون أن صون الهوية لا يقتصر على مجرد رفع الرايات، بل يمتد إلى احترام قيم المجتمع، وحفظ موروثه الثقافي العريق، والمشاركة الإيجابية الفاعلة في صنع الغد.

  • «يوم العلم».. محطة سنوية تتجدد فيها معاني الولاء والاعتزاز

رؤية طموحة

لا يعني التقدم والتطور المستمر في مسيرة دولة الإمارات الاكتفاء بما تحقق، بل يتطلب استمرارية التعلم، ودعم الطاقات الشبابية المبدعة، ومواكبة التحولات العالمية السريعة، مع الحرص التام على صيانة القيم والعادات التي تتميز بها خصوصية المجتمع الإماراتي. وهكذا تتواصل حكاية الاتحاد جيلاً بعد جيل، لتبقى الراية خفاقة في وجدان المجتمع، ودليلاً ساطعاً على أن طموحات الإمارات تستند إلى جذور تاريخية راسخة، وتتجدد بيقين وإبداع كل من يعيش على أرضها المعطاء.