في السيرة الفنية لمسيرة المرأة العربية المسرحية، يستوقفنا التاريخ لنشنف مسامعنا بأصوات نساء عربيات، مهرن بخطواتهن الوئيدة الواثقة المتحدية حكايات الصراع بين النور والظلام، العلم والجهل، الإبداع والتقليد، فما كان من المجتمع الأبوي التقليدي إلا أن يتراجع منحنياً تبجيلاً لنساء اعتلين خشبة المسرح معلنات أن عهد الحداثة في الفن العربي قد حان ولا بد للتنوير أن يجتاح الأذهان والعقول مكتسحاً رغوة التقاليد الاجتماعية الزائفة.

عقبات
في مصر لم يكن الطريق معبداً أمام المرأة العربية لولوج عالم المسرح، فقد تمددت في  طريقها عقبات كثيرة، ذلك أن ظهور المرأة على منصة المسرح كان يعد مخالفاً للعرف والدين، لذلك كان الرجال يقومون بالأدوار النسائية في العروض المسرحية، لم يستمر هذا التقليد طويلاً، وخلال الربع الأخير من القرن الـ19، سرعان ما تقدمت نساء لبنانيات وشاميات، أمثال: ملكة سرور وهيلانة بيطار ومريم سماط وميليا ديان ووردة ميلان وماري صوفان وأبريز ستاتي وألمظ ستاتي وفاطمة اليوسف وبديعة مصابني وماري منيب وثريا فخري، لترجع أدوار النساء في النص المسرحي إلى النساء الممثلات، اللائي صرن نموذجاً يحتذى من قبل المرأة المصرية المتطلعة إلى ممارسة التمثيل المسرحي، حتى تكللت مساعيها بالنجاح، عندما ظهرت أسماء مصريات ممثلات على المنصة المسرحية، مثل أديل ليفي وصالحة قاصين وإستر شطاح ونظلة مرزاحي وسرينا إبراهيم وهنريت كوهين وفيكتوريا كوهين وفيكتوريا موسى، حتى إذا ما استقر تأثير التيار الحداثي في المجتمع المصري، لمعت أسماء مثل منيرة المهدية وأمينة رزق.

تجربة مختلفة
في الأربعينات شكلت المرأة الفلسطينية، أول فرقة نسائية وبرز اسم سميرة غندور كرائدة في هذا المجال، ومن بعدها تلألأ في سماء الإبداع المسرحي اسمٌ أنثوي آخر تحكي أضواؤه عن امرأة خلقت لكي تكون ممثلة، حيث تفتقت موهبتها على يد راهبة إيرلندية وهي تؤدي دور السامري الرحيم، إنها الفنانة المسرحية الفلسطينية إيمان عون التي ولدت في بلدة رفيديا سنة 1963، ثم عملت مع فرقة الحكواتي الفلسطيني. وفي عام 1991 قامت بإنشاء فرقة «مسرح عشتار» التي كونتها مع إدوارد المعلم وآخرين. واجهت إيمان المجتمع الذكوري التقليدي في ميدان اختلف نسبياً مع ميادين زميلاتها الآنف ذكرهن، إذ طـرقت إيمـان المـسرح تمثـيلاً وإعداداً وإخراجاً، وأسهمت في بعض الكتابات المسـرحية وبلورت أفكاراً للعـروض، وقدمت أوراقاً لمؤتمرات بشأن العلاقة بين المسرح والمرأة.

إرادة ذاتية
في الإمارات سجل المجتمع التقليدي تراجعاً ملحوظاً أمام المد الحداثوي المحمول على محفة الفن المسرحي، إذ وقعت موزة المزروعي اسمها كأول فتاة تعمل في حقل المسرح، وذلك في عرض قدم بمناسبة افتتاح المسرح القومي للشباب في دبي عام 1973. ومتسلحات مثلها بتشجيع حادي ركب الحداثة الإماراتية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، بادرت الممثلات الرائدات من بعدها مثل رزيقة الطارش، سميرة أحمد ومريم سلطان، بتسور حواجز المجتمع التقليدي ليهبطن على خشبة المسرح الإماراتي، الذي كان حكراً على الرجال من قبل، لأن ذلك كان ما تسمح به الأعراف المجتمعية التي جاهدتها الثلة الأولى من رائدات المسرح الإماراتي، اللائي تميزن بإرادة ذاتية قوية عميقة، مما جعل الصراع بين التقاليد والإبداع الحداثي ينحسم لصالح التنوير ليحصدن جوائز تألقها الإبداعي في كل المنطقة العربية.

سباقة
في الكويت برز اسم  الفنانة مريم الصالح كأول فتاة تعتلي خشبة المسرح، لترفع راية التحدي عالية لمجتمع لا يرى في مواهب المرأة والتعبير عنها إلا خروجاً عن طاعته المفترضة، في ظل ظروف اجتماعية وعادات وتقاليد لا تسمح للفتاة بالتمثيل وتعتبره خروجاً عن الأعراف، لكن مريم لم تقف عند هذا التحدي فقط، إنما كانت كذلك أول من أخذ بيد الفنانة الراحلة مريم الغضبان لتدخل مجال التمثيل معها، من خلال مسرحية «صقر قريش»، التي قدمت باللغة العربية الفصحى عام 1962، وبذلك تعدان أول فتاتين تعتليان خشبة المسرح، وإن كانت الصالح هي السباقة في دخول هذا المجال.

عقلية إبداعية
العراقية عواطف نعيم واجهت بدورها المجتمع التقليدي، متمثلاً في عائلتها، إذ تقول: «حينما ابتليت بحب الفن، وعندما شغفت به كان جزائي، تم طردي من عائلتي. والدتي ووالدي كانا الوحيدين اللذين سانداني في خطواتي الأولى، لكني استطعت أن أثبت للآخرين أنني أحمل عقلية إبداعية، وأنني ذات عقل نير وأنني أضيف للحركة الثقافية لبنة وإلى الحركة المسرحية خطوة، وعندها احتضنوني جميعاً وافتخروا بي. فلم يكن الطريق سهلاً وأنا أعتز به لأن نجاحي لم يأتِ عبر الطريق السهل». ومن مسرحيات عواطف نعيم التي تألقت بها، مسرحية «كنز من الملح» 1996، ومسرحية «بيت الأحزان» 1997.

مشروع
من الجزائر تطل علينا الفنانة المسرحية سكينة ميكيو الشهيرة بصونيا، التي اقتحمت مجال التمثيل المسرحي وهي في الـ17 من عمرها، حاول أهلها منعها من دخول عوالم التمثيل المسرحي بحجج ذات مرجعية ثقافية ذكورية، لكنها لم تخضع لهذا المنع فالتحقت بمعهد الدراما ببرج الكيفان وتخرجت فيه سنة 1973، في وقت كان فيه المسرح يفتقر إلى العنصر النسائي، حملت صونيا هم مشروعها المسرحي حتى صارت من الممثلات الشهيرات في الوسط الفني الجزائري وجمهور المسرح، ثم ولجت ميدان الإخراج المسرحي، حيث أصبحت مديرة للمسرح الجهوي في سكيكدة.

من هذا السرد الانتقائي نستطيع القول إنه باقتحام المرأة العربية مجال المسرح قد اندك حصن من حصون التقاليد في ظل المجتمع الأبوي الذي يرعاها في وجه المد الحداثي في ميدان الفن، ونجحت النساء العربيات في (تأنيث) المسرح العربي، مما ساعد على الإرهاص بخطاب مسرحي نسوي عربي، الذي شكل علامة على نضج المسرح العربي تنظيراً وأداءً . في نفس الوقت فقد دل على نجاح المرأة العربية في فرض نفسها كممثلة مسرحية، وفاعلة في أحد أهم ضروب الفن بل هو «أبو الفنون».