نسمع كثيراً عن الجنّة لكن أن نعيش فيها، بين جبالٍ وكهوفٍ، وبحرٍ وشلالات في سياحةٍ فريدة ونادرة، فهذا يكفي كي نحسب أيامنا هناك أياماً من العمرِ لكل العمر. فلنسلك الطريق إلى باتاغونيا، ونسيح أياماً في رحابِها حيث يُردد كل من ذهب إليها وعاد: كنت في الجنّة.


هناك، في نهايات قارة أميركا الجنوبية، حدود تسوقها دولتان: تشيلي وأرجنتين، اللتان اتفقتا على أمورٍ كثيرة واختلفتا على حدودها الشمالية. هناك، في تلك البقعة التي تحاذيها جبال الأنديز والمحيط الأطلسي ومضيق ماجلان ووادي ريونيغرو وسهل البامبا والجبال الجليدية الرائعة يقع إقليم باتاغونيا. قليلون هم من ساحوا في تلك البقعة وكثيرون هم من سمعوا عنها ونادرون هم من لم يُعجبوا بها. فماذا في باتاغونيا؟

الجنوب الكبير

يُطلقون على إقليم باتاغونيا اسم «الجنوب الكبير» كونها واقعة في نهايات أميركا الجنوبية. فلنذهب معاً إلى الجنوب الكبير حيث سنحيا الفصول الأربعة في يومٍ واحد: شتاء وربيع وصيف وخريف. درجة الحرارة قد تختلف بين الصباح والمساء أكثر من عشرين درجة مئوية. تزودوا دائماً بسترةٍ إضافية. شاهدوا الحيتان في منطقة «بوير تومادري»، خصوصاً إذا قصدتم تلك البقعة الرائعة بين سبتمبر ويناير. قوموا برحلة بحرية من «بونتا أريناس» (المحسوبة في خانة تشيلي) إلى «تييرا ديل فويغو» أي أرض النار والفردوس البارد ناصع البياض في الأرجنتين، وستعبرون حتماً في مضيق ماجلان الأسطوري. وتذكروا وأنتم هناك، في عزلة عن الحياة اليومية العادية المزدحمة، أن ثمة من يُسمي تلك البقعة «نهاية العالم». لا تُصدقوا كل ما يُقال، بل انعموا هناك بالمشاهد الطبيعية الرائعة والحيوانات النادرة في الجوار. لا تنسوا حمل مستحضر جيّد لمكافحة البعوض لأن الحشرات تزيد في منطقة البحيرات.

واحة سلام

من ينشدُ راحة البال وبعض السعادة، عليه زيارة واحة السلام في قرية «لوس أنتيغوس» في باتاغونيا وتُعرف بعاصمةِ الكرز، والاسم كفيل بالتعبير عن الفحوى، حيث إنتاج أشهى الخضار وفاكهة الكرز. ولا تنسوا، وأنتم تسرحون في أرجاء الإقليم المدهش، زيارة مدينة «فالبارايزو» التي ألهمت شعراء وكُتّاب على مرّ التاريخ. الكاتب والروائي التشيلي بابلو نيرودا أصله من هناك. ومنزله الراكن في أحد جنبات القرية بات متحفاً يزوره عشاق الأدب والشعر، اقصدوه. جميلٌ أن يغوص السائح في معالم قرية وأرض ألهمت شعراء وأدباء تركوا بصماتٍ لا تمحى.
الصقيع هائل. هنا أكثر المناطق برداً في المحيط. السكان أغلبيتهم من المهاجرين الذين يعملون في تربية الأغنام واستصلاح الأراضي الزراعية والصناعات النسيجية. وهناك في حنايا الإقليم محطات كثيرة لتوليد الطاقة الكهربائية، اقصدوا الحديقة الوطنية «توريس ديل بان» المعروفة باسم الأبراج الزرقاء. ثمة أبراج وقمم وشلالات وجبال شاهقة. وإذا كنتم تملكون الجرأة حاولوا أن تتسلقوا بعض الهضاب غير المسننة. انتبهوا كثيراً واستمتعوا ولا تخاطروا.

لكل فصلٍ نكهته

الكهوف كثيرة. الدهشة التي تُعممها المطارح هائلة. وثمة من وصف بيئة باتاغونيا بأنها أكبر من حدودها وأوسع وتغور في التاريخ والذاكرة والمساحة.
هناك من يسأل: متى أزور الإقليم؟ أي فصلٍ أفضل؟
العارفون يعطون جواباً لا لبس فيه: كل الفصول قد تصلح، لأن باتاغونيا واسعة شاسعة من حيث المساحة وطقسها متقلب كثيراً. وكل موسم فيها له مزاياه. وهناك من يقول إن للصيف هناك نكهة خاصة وهو يمتد بين ديسمبر وفبراير. في هذا الفصل تكون البقعة حارة، لكن الرياح تكون قوية، ويمكن أن تصل إلى 120 كيلومتراً في الساعة، كما أن أنواعاً كثيرة من الطيور الرائعة، مثل البومة، تهاجر في هذا الفصل بحثاً عن أرض أكثر هدوءاً. أما في الربيع، بين سبتمبر ونوفمبر، فيكون الطقس دافئاً نهاراً والرياح باردة ليلاً وإمكانية هطول المطر كبيرة. في الخريف، بين مارس ومايو، يبدأ الصقيع غير أن الطبيعة تكون رائعة وأوراق الأشجار خلابة، ومن يهوى التصوير وأرشفة تلك اللحظات سيحبّ السياحة في باتاغونيا في هذا الفصل كثيراً. أما في الشتاء، بين يونيو وأغسطس، فالرياح تكون أكثر اعتدالاً من الصيف، على عكس ما نظن، كما أن الطبيعة تكون مغطاة بالثلوج والجليد. أمامكم الفصول الأربعة اختاروا بينها.

مغامرة حقيقية

مجرد وجودكم في باتاغونيا مغامرة حقيقية. ولا بُدّ أن تلحظوا ارتفاع نسبة الأدرينالين لديكم منذ اللحظات الأولى. مارسوا رياضة التجذيف والكاياك وركوب الدراجات وركوب الخيل. اسرحوا في كل مكان.. افرحوا.. راقبوا التفاصيل.. اركبوا القوارب.. وتنعموا بكل الثواني فالأرض رائعة مدهشة خلابة.
أفلامٌ كثيرة صوّرت هناك، وثمة من يعتبر تلك البلاد منصة مثالية لصانعي الأفلام الذين يبحثون عن المناظر الطبيعية والدهشة مع بعض العزلة. وإذا أردتم أن تعرفوا أكثر عن باتاغونيا شاهدوا الأفلام التالية: «The call», «180 south», «la Patagonia rebelled», separado».

طعام شهي

الطعام الباتاغوني شهي. ومنذ عام 2012 دخلت البلاد الأعمال والصناعات الغذائية. سمك السالمون البري مشهور هناك. لحوم الضأن المشوية الملغومة بالدهون، شهية وتُطهى في موقد مفتوح طوال ساعات، وتسمى هناك «كورديرو آل بالو». تذوقوا أيضاً «فيليه غوانامو». فطيرة سرطان البحر «تشوبي دو سنتولا» طبق تقليدي أصله من تشيلي. شراب Calafate sour مشهور هو أيضاً وهو مصنوع من الفواكه لا سيما التوت الكالافاتي الذي ينتمي إلى باتاغونيا وهو كناية عن عشبة زهرتها صفراء تنتج ثماراً تشبه التوت.
أمرٌ أخير يجب أن تعرفوه قبل أن توضبوا أمتعتكم وتغادروا إلى هناك وهو أن كل من ذهب وعاد سأل نفسه: هل كنت أحلم؟ لذا اقرصوا جلدكم كثيراً وتنعموا بكل التفاصيل.

ماذا نشتري؟

اشتروا من باتاغونيا صوف الأغنام وأقمشة التريكو المصنوعة يدوياً أو على النول. التوت الأحمر لذيذ جداً اجلبوا معكم منه. العباءات المصنوعة من صوف الأغنام النقية ممتازة أيضاً. ولا تنسوا شراء قميص فريق كرة القدم التشيلي من هناك، فهو يصلح أن يكون هدية رمزية.