تتميز موائد شهر رمضان الفضيل بكونها عامرة بأصناف عدة من الأطعمة والمشروبات، ولكن لكل مجتمع أطباقه الخاصة التي تزين موائده في هذا الشهر، لنتعرف في التقرير على الطبق الرمضاني الرئيسي في عدة بلدان عربية. "الهريس".. الطبق الشعبي الأول "الهريس" هو الطبق الشعبي الرئيسي الذي يتوسط سفرة أطباق رمضان الأساسية في المجتمع الإماراتي، إذ لا تخلو الموائد من هذا الطبق في هذا الشهر الكريم. وبالرغم من توافر العديد من أصناف الأطعمة الشعبية على الإفطار والسحور، إلا أن أول ما تقبل عليه الأسر الإماراتية بعد تناول التمر واللبن هو الهريس الذي يعتبر طبقاً شعبياً يحتاج إلى عملية معقدة لإعداده. لا يعلم أحد إلى أي حقبة زمنية يعود تاريخ الهريس الذي يعد بالنسبة إلى الخليجيين وجبة قيّمة. وتعتبر الطريقة الأساسية لصنع الهريس واحدة في كل دول الخليج العربي، بيد أن هناك اختلافاً بسيطاً جداً يعتبر اختيارياً عند بعض الدول، فهناك من يضيف إليه حبات الهال، وآخرون يضيفون القرفة، أو السكر، ولكن الجميع متفق على طريقة الصنع الرئيسية له. وهذا الطبق يقتصر على البيوت والأسر المقتدرة ميسورة الحال، فهم من يأتون بالذبائح ويطحنون حَبّ الهريس، ويرسل سكان الحي الذين لا يستطيعون إعداد هذا الطبق في بيوتهم حب الهريس إلى منزل الأسرة المقتدرة، ويتم طحنه وطبخه وإرساله إليهم بمقدار حب الهريس الذي أرسلوه، وهذا كان يخلق ترابطاً وتلاحماً بين الأهالي. السعودية "السمبوسة".. قيمة رمزية لدى الصائمين أكلة السمبوسة ذات الشكل المثلث تبقى ثابتة، رغم تنوع المطبخ السعودي وتباين أطباقه بين منطقة وأخرى، حتى أن البسطات الشعبية التي تنتشر في أنحاء السعودية والمخيّمات الرمضانية الخيرية تحرص على حضورها على موائدها. وجرت العادة لدى الأمهات في السعودية أن يوكلن عمل "السمبوسة" للبنات الصغيرات اللواتي يرغبن في المشاركة في إعداد المائدة الرمضانية، لسهولة صنعها ومتعة تنفيذها في الوقت ذاته. واكتسبت "السمبوسة" أو "السمبوسك" كما يطلق عليها البعض، خصوصيتها داخل المطبخ السعودي عبر حشوتها المميزة، إذ تتنوع بين اللحم المفروم والدجاج والجبن والخضار، فضلاً عن أنواع جديدة من الحشوات مثل التمر والتونة واللبنة. كل بيت سعودي يحاول التميز في تقديم السمبوسة على طريقته، وذلك عبر استخدام توابل خاصة وإضافة الصنوبر والكزبرة للحشوة، أو تزيينها بالسمسم والحبة السوداء. وللسمبوسة قيمة غذائية عالية، وتختلف فيها السعرات الحرارية وفقاً لنوع الحشوة، حتى إن البعض حاول تقديمها بشكل أكثر صحي يتوافق مع برامج "الدايت" بتجنب تعريضها للقلي في الزيت، فخرجت إلى النور سمبوسة الفرن وسمبوسة الصاج. مصر "الخشاف".. منذ أيام الدولة الفاطمية لاتخلو مائدة إفطار رمضانية مصرية من طبق "الخشاف"، الذي عرفه المصريون منذ أيام الدولة الفاطمية في الفترة من 365-567 هجرية، التي حكمت مصر لمدة قرنين من الزمان. وتتفنن الأسر المصرية في إعداد طبق الخشاف، الذي يتكون غالباً من الفواكه المجففة مثل المشمش والزبيب والتين والبلح والقراصيا والمكسرات والسكر، ويتم نقع هذا كله ووضعه في الثلاجة ويقدم في أطقم الخشاف قبل أو بعد تناول طعام الإفطار. وتتوقف طريقة إعداد طبق الخشاف على المستويين المادي والاجتماعي لكل أسرة، فالأسر الفقيرة والمتوسطة غالباً ما يتكون طبق الخشاف من البلح واللبن والسكروالزبيب، أما الأسر الثرية فتدخل في طريقة إعداد الطبق الكثير من المكونات مثل التين والزبيب والقراصيا واللوز والجوز والمشمش. الأردن طبق "المنسف".. وتقاليد تناوله يعتبر الأردنيون الأشهر بإعداد المنسف ويرتبط بالثقافة الأردنية القائمة على الرعي والزراعة، فهو الطبق الشعبي الذي يطبخ بالأعراس والأتراح ومختلف المناسبات. ويتميز المنسف عن باقي أنواع الطبخ العربية باستخدام لبن الجميد الذي يصنع من الحليب بعد تحويله إلى لبن رائب، ويتكون من لحم الضأن مع سائل الجميد والأرز. يؤكل المنسف باتباع الطريقة التقليدية، حيث تلتف جماعة حول طبق كبير واضعين أيديهم اليسرى خلف ظهورهم ويأكلون بأيديهم اليمنى دون استعمال الملاعق، حيث يعتبر استخدام الملعقة في أكل المنسف غير مقبول حسب التقاليد. وهو من الأكلات التي تمد الجسم بالطاقة وتعوض عن نقص المواد الغذائية فترة الصيام. لبنان "الأرز مع الدجاج".. طبق محدودي الدخل والفقراء يعتبر طبق الأرز مع الدجاج من أطيب الأطباق اللبنانية الذي تجتمع حوله العائلة على مائدة الإفطار خلال الشهر الفضيل. وفي الواقع، أنه منذ حوالي خمسمئة سنة، كتب باحث من بلاد الشام ملقب بابن المبرد كتاباً اسماه "كتاب الطباخة " ذكر فيه العديد من الطبخات التي كانت معروفة في ذلك الزمن، والملاحظ أنه بعد مرور مئات السنين، مازالت العديد من هذه الطبخات تحمل التسمية ذاتها، وتترأس قائمة الطعام على موائدنا، ومنها طبق الأرز باللحم والدجاج الذي يُحكى أنه كان طبقاً شائعاً بين عامة الشعب محدودي الدخل والفقراء، وكان يحضر بطريقة مختلفة عن الشائعة اليوم، وذلك بطهي الأرز مع القليل من اللحمة وتوزيع ما توافر في البيت من حوائج فوقه. إلا أن الطبق هذا ذاع صيته لاحقاً وانتقل إلى بيوت الأغنياء فالأمراء والملوك، وتطورت مكوناته مع الوقت إلى النتيجة التي نعرفها اليوم، بإضافة الدجاج والمكسرات إليه بشكل يليق بالطبقات المخملية ويعبر عن كرم الضيافة. السودان "العصيدة والملاح".. يجتمع على حبها الأغنياء والفقراء بينما يبدأ كثير من الصائمين في العالم العربي استهلال إفطارهم بالشوربة وغيرها إلا أن أول ما يتناوله الصائم في السودان هو العصيدة السودانية أو "اللقمة" كما تسمى في بعض المناطق، والتي تعد واحدة من أحد أشهر الأطباق الشعبية التي يفضلها أهل السودان في رمضان ويجتمع على حبها الأغنياء والفقراء على حد سواء، وتحتوي على مجموعة هامة من الفيتامينات، إضافة إلى البروتينات والكالسيوم. وتناولها المعتاد مع إدام يعرف بـ "الملاح " بضم الميم يجعلها ذات قيمة غذائية عالية للجسم، أي مرقة وتختلف مكوناته وطعمه ولونه وبالطبع طرق إعداده من منطقة إلى أخرى في السودان. ويحرص أهل الريف في رمضان وعلى طول الطرق السريعة التي تربط بين أقاليم السودان المختلفة على إقامة الإفطارات الجماعية على جانبي الطريق بـ"صوانيهم" التي تحتوي على العصيدة وغيرها من الأطعمة، وذلك لـ "قطع الطريق" على الصائمين المسافرين ليحظو بأجر إطعامهم. فلسطين "الملوخية".. وسرها في جلب الفأل الحسن تعتبر الملوخية الطبق الرئيسي على المائدة الفلسطينية في أيام شهر رمضان، إلى جانب طبق الدجاج المحشو بالأرز والشوربة، فلا تكاد تخلو مائدة من طبق الملوخية. ولتحضير الملوخية يتم قطف أوراقها التي يفضل أن تكون كبيرة، ثم تغسل جيداً بالماء، ثم تجفف جيداً قبل أن تفرم حتى تصبح ناعمة. ويقدم إلى جانب طبق الملوخية بشكل أساسي على الموائد الفلسطينية الفلفل الحريف، خاصة على موائد سكان قطاع غزة، المشهورين بحبهم للفلفل، إلى جانب طبق الفلفل المفروم مع الليمون، ويفضل البعض عصر بعض قطرات من الليمون على طبق الملوخية، كذلك فإن الدجاج المحشو بالأرز والمحمر يترك حسب ذوق ربة البيت، فلا بد من وجود طبق الأرز إلى جانب طبق الملوخية، فالبعض يفضل الأرز المبهر أو الأبيض أو الكبسة، لكن بالنسبة إليهم تبقى الملوخية ملكة المائدة. أما الدجاج المحمر فهو الوصيف. ويكمن السر بحسب آراء فلسطينيين في حب الملوخية هو الشعور بأنها تجلب الفأل الحسن ليكون شهر رمضان وكذلك عامهم أخضر كخضرة الملوخية، وعام خير وبركة.