إذا كنت تعتقد أن اللوحات الفنية والرسومات الجميلة لا يمكن أن تُنفّذ إلا باستعمال الأوراق والأصباغ، فربما عليك أن تُعيد النظر، لأن هناك فنانين رسموا لوحات رائعة صفّق لها الجمهور، وذلك باستعمال مواد مختلفة لم تتخيلها مِن قَبْل وستُفاجأ عند اكتشافها.   ثمة قول مأثور معروف في عالم الفن التشكيلي يقول: «ما يُحدّد أن تكون فناناً مِن عدمه ليس ما تملكه من مواد، إنما كيف تستخدم المواد التي تملكها». بمعنى أن الفنان الحقيقي لا يمنعه نقص الورق أو القماش أو نقص الأصباغ، عن الإبداع، فهو قادر على أن يرسم باستعمال ما تيسر له من مواد، وهي ربما مواد لم يكن أحد منا يعتقد أنه يمكن أن تتحول إلى مادة للرسم. وخير مثال على ذلك، أولئك الفنانون الذين يرسمون باستعمال أطعمة أو عصائر، أو باستعمال القهوة ورغوة الحليب، أو يشكلون الـ«سوشي» وحتى الخبز، ليجعلوه في شكل رسومات معبّرة، أو حتى ينفّذوا لوحاتهم باستعمال الحشرات وأشرطة الكاسيت. لنكتشف معاً بعضاً من أغرب طُرق وأدوات الرسم التي أثارت الانتباه في الفترة الأخيرة.   الرسم على رغوة القهوة لم يتجاوز كازوكي ياماموتو ستاً وعشرين سنة من العمر، لكن هناك 190 ألف شخص على الأقل يتابعون حسابه على «تويتر»، فهو ينشر يومياً منه صورة مع تعليق لآخر إبداعاته التي يرسمها على رغوة القهوة بالحليب المخفوق الـ«لاتيه» التي يتناولها يومياً. يعيش هذا الشاب الياباني في مدينة كوساكا، وقد أصبح مشهوراً في اليابان بفضل رسوماته المبدعة واللافتة للأنظار والتي ينفّذها من دون استعمال ورقة أو قلم أو أصباغ. فكل ما يعتمد عليه هو القهوة ورغوة الحليب. ليس هذا فحسب، لا بل إن رسومه أصبحت ثلاثية الأبعاد وليست فقط مسطحة. أما الموضوعات المفضلة لدى كازوكي والتي يحب رسمها فهي شخصيات مسلسلات الكرتون، سواء تلك التي كان يحبها في طفولته، أم تلك التي يحبها أطفال وشباب اليوم. لكن، كاسوكي ليس الشاب الوحيد الذي اتجه إلى هذا التخصص الجديد في الرسم، فمثلاً صورة آينشتاين على وجه فنجان القهوة هي من إبداع صديقه كوهاي ماتسونو، 23 سنة، ابن مدينة أوساكا الذي يعمل حالياً في أحد مقاهي العاصمة طوكيو. وتتعدد الموضوعات التي يرسمها ماتسونو، وتتنوع من شخصيات الكارتون إلى المغنية الأمريكية لايدي غاغا. كما أنه أحياناً يرسم بناءً على طلبات الزبائن. يقول ماتسونو «أحب القهوة، وأحب أن أرسم الأشياء التي يعتقد الناس أنه لا يمكن رسمها على رغوة القهوة». وفي الفترة الأخيرة بدأ ماتسونو يتجه إلى رسم أعمال فنية شهيرة على رغوة القهوة، مثل لوحة «الصرخة» لإدوارد مانش. وإذ تساءلت عن المعدات التي يستعين بها للرسم على رغوة الحليب، فلتعلم أن كل ما يستعمله هذا الفنان الشاب لإخراج لوحاته إلى النور هو مجرد ملعقة وعيدان الأسنان. وهو يبدأ أولاً بالقهوة ورغوة الحليب، ثم يستعمل عود الأسنان ليضيف بعض الظلال. ويقول الفنان الشاب إن العملية كلها تستغرق منه نحو 3 إلى 5 دقائق. ويضيف: «نعم، أعترف بأن القهوة عندما تصل إلى الزبون لا تكون ساخنة جداً كما يحبها أن تكون. إلا أنه يكون راضياً وسعيداً». صحيح أن هناك عدداً من فناني الـ«لاتيه» في أمريكا وفي أماكن أخرى من العالم، إلا أن الظاهرة منتشرة بشكل أكبر في اليابان حسب ما يؤمن به ماتسونو.   الرسم بالأطعمة يعد موقع «انستغرام» بمثابة منصة عالمية مناسبة تُتيح الفرصة لاكتشاف أجمل المواهب عبر العالم، من خلال الصور التي ينشرها الموهوبون لإبداعاتهم، ويجري تداولها بين آلاف المتابعين إن لم يكن الملايين. وبعد الرسم على الـ«لاتيه»، ثمة فنانة أخرى اختارت نوعاً جديداً من الرسم ليس بعيداً عن مجال الطعام. إنها هونغ يي، التي اشتهرت أيضاً باسم Red أو «الحمراء»، وهي رسامة ومهندسة معمارية من ماليزيا، تحب أن ترسم لكن من دون أصباغ. خطرت لهونغ يي فكرة أن ترسم كل يوم لوحة وتضع صورة لوحتها على موقع «انستغرام»، لكن لاهونغ لا ترسم على ورق بل ترسم على الصحون باستعمال أطعمة. ومن بين المواد التي تستعملها هونغ يي الخضراوات والفواكه والشوكولاتة والآيس كريم وعصير الطماطم والخبز والقهوة إلى غير ذلك من كل ما هو قابل للأكل. ومن بين أشهر اللوحات التي رسمتها هونغ، لوحة جرف جليدي يتكسر استعملت فيها الآيس كريم، ولوحة فيل في السيرك استعملت فيها الباذنجان، ولوحة المزرعة استعملت فيها الخيار... وللإشارة، فإن هونغ يي تتحدث لغة الماندارين لأن أصلها من الصين، إنما هاجر جدّاها ووالدها في بداية «الثورة الثقافية» في الستينات من الصين إلى ماليزيا، حيث ولدت وترعرعت هناك.   الرسم على الخبز ماذا عن الرسم باستعمال الخبز؟ ماذا عن تحويل كل شريحة خبز إلى لوحة فنية كاملة التفاصيل؟ الأكيد أن هناك الكثير من التخطيط والخيال يسبق خبز كل قالب من قوالب الخبز، لكن هناك فنانة قديرة حقاً تقف وراء العمل الإبداعي بواسطة الخبز. إنها الخبّازة التقليدية والأم اليابانية ران التي تقف وراء حساب @konel_bread على موقع «انستغرام»، حيث تعرض من خلاله كل جديد من أعمالها الفنية التي تخرج طازجة من فرن الخبز. على هذا الحساب تعرض ران مقاطع فيديو وصور لرسوماتها المخبوزة، وتشرح في بعضها كيف أنها استلهمت عملها هذا من فن تزيين لفافات الـ«سوشي»، الأكله اليابانية الأشهر. وتتخذ الرسومات المعروضة على شرائح الخبز شكل وجه ضفدع، أو وجه جرو صغير، أو جلد النمر، أو ساعة يد، أو شريحة ليمون أو ابتسامة طفل رضيع أو سمكة ملونة إلى غير ذلك. وقد لاقت رسومات ران ومجهوداتها إقبالاً كبيراً من متابعي حسابها على «انستغرام». الجدير بالذكر، أن ران لا تستعمل في تلوين رسوماتها أي ملونات صناعية، بل تستعمل ألواناً طبيعية تستخرجها من أطعمة نتناولها يومياً، فهي مثلاً تستعمل الشوكولاتة للحصول على اللونين الأسود أو البني، والبنجر للحصول على اللونين الزهري والبنفسجي والزعفران، والكركم للحصول على اللونين الأصفر والبرتقالي.. وهكذا دواليك.   الرسم بشريط الكاسيت إيريكا أيريس هي فنانة عصامية، علّمت نفسها بنفسها، فهي لم تدخل أبداً كلية الفنون الجميلة، بل إنها خرّيجة قسم اللغة الروسية في كلية الآداب التابعة لـ«جامعة واشنطن». وبعد تخرجها، سافرت إيريكا إلى لندن لكي تعيش حياة الفنانين وتنمّي موهبتها أكثر فأكثر. وكفنانة، اعتادت إيريكا أن ترسم بأي شيء تقع عليه يدها، حيث تقول: «ما يحدد أن تكون فناناً من عدمه ليس ما تملكه من مواد وإنما كيف تستخدم المواد التي تملكها» وهذا هو شعاري. في الفترة الأخيرة، اشتهرت إيريكا بالرسم باستخدام أشرطة الكاسيت وكذلك أشرطة الفيديو. وقد بدأت قصتها مع هذه الطريقة في الرسم بالصدفة، وكان مصدر إلهامها الأول هو المغني الشهير جيمي هاندريكس وشعره المجعّد المتميّز. ففي عام 2008، كانت أيريس جالسة في أحد المطاعم الذي عُلقت على أحد جدرانه صورة جيمي هاندريكس، وبينما كانت جالسة في انتظار أن تفرغ إحدى موائد المطعم المكتظ، مدت يديها إلى أحد أشرطة الكاسيك وشدت الشريط من داخل الكاسيط من دون أن تمزقه وأحذت ترسم به «بورتيه» لهذا الفنان فقط باستعمال الشريط الطويل جداً. وكانت تلك أول لوحة ترسمها باستعمال أشرطة الكاسيت، تلتها بعد ذلك عشرات اللوحات أغلبها لفنانين ومشاهير. وكانت أيريس تحرص على أن ترسم كل واحد من المشاهير باستخدام شريط من المجال الذي اشتغل واشتهر فيه. مثلاً، كانت ترسم الممثلين باستخدام أشرطة الفيديو وليس كاسيت آلة التسجيلات الصوتية. وبعد ذلك، اشتهرت أيريس كثيراً ولاقت أعمالها إعجاباً كبيراً، وتم تكليفها عام 2012 من قبل قنوات «شوتايم» لترسم بورتريهات مسلسل «ديكستر أند ديبرا»، فاستخدمت أدوات القاتل المتسلسل كمواد في رسوماتها، مثل السكاكين وأكياس البلاستيك ولطخات الدم. وفي عام 2013 تم اختيارها لكي تكون الرسامة الرئيسية والرسمية في الدورة الخامسة والخمسين من جوائز «غرامي»، حيث صمّمت كتالوغ برنامج الجوائز والحفل والتذاكر وحتى الـ«بوستر» الترويجي.   الرسم بالحشرات جنيفر أنغوس، فنانة وأستاذة فنون تشكيلية معروفة في الولايات المتحدة، وقد اعتادت أن تُقيم معارض فنية هنا وهناك، تقدم للجمهور من خلالها أحدث أعمالها الفنية. لكنها هذه المرة بلغت آفاقاً جديدة وبعيدة في الإبداعية، قد تبلغ حد المفاجأة إن لم نقل الصدمة لزوّار معرضها، فلوحاتها هذه المرة مكونة من حشرات حقيقية. المعرض عبارة عن خطوط متوازية وأشكال هندسية رسمت باستعمال حشرات محنّطة رُصّت بعناية الواحدة إلى جانب الأخرى على الجدار. وهذه الحشرات ليست من البعوض المحيط بالبرَك المجاورة أو فراشات الحدائق القريبة، بل إنها حشرات غريبة عن المنطقة التي تعيش فيها الفنانة، إنها مئات وربما آلاف الفراشات والخنافس وغيرها من الحشرات التي تم جلبها من بلدان تقع على الطرف الآخر من العالم. إنها الشخصيات الرئيسية في عمل أنغوس هذا الذي لاقى انتباهاً وتصفيقاً عالمياً. وقد تم انتقاء الفنانة أنغوس إلى جانب ثمانية فنانين آخرين مرموقين في الولايات المتحدة لكي يقدموا أعمالاً تركيبية، يتم عرضها هذا الخريف في افتتاح معرض «ووندر»، في متحف الفن الأمريكي في واشنطن العاصمة، التابع لمؤسسة «سميثسونيان». أطلقت أنغوس على عملها التركيبي اسم «في حديقة منتصف الليل»، وهو العمل الذي خصصت له قاعة كاملة في معرض رينويك العريق، الذي تم بناؤه في القرن التاسع عشر. وقد صبغت الفنانة جدران القاعة بلون زهري أحمر مشتقّ أيضاً من حشرات تم سحقها لأخذ اللون منها، وهو الأمر ذاته الذي يستعمل في تلوين بعض الأطعمة ومستحضرات التجميل. هذا جعل الجدران في معرض «في حديقة منتصف الليل» تبدو للوهلة الأولى كأنها مكسوّة بورق جدران. لكن، كلما اقترب المشاهد أكثر، اكتشف أن الزخرفة الموجودة على الجدران هي زخرفة تتكون من آلاف الحشرات المجفّفة المثبّتة على الجدران. ويقول نيكولاس بيل، منسّق المعرض والذي اختار الفنانين المشاركين فيه: «أتذكر يوم شاهدت هذا العمل للمرة الأولى، دخلت إلى الغرفة ومثل أي زائر لم أكن أعرف أن تلك الحشرات حقيقية، ثم سرعان ما اكتشفت أنها حشرات حقيقية وتراجعت بسرعة خطوتين إلى الوراء من وقْع المفاجأة أو نوع من الخوف من أن تتحرك نحوي، إن هذا الإحساس بالمفاجأة، هو ما نريد أن ننقله إلى زوّار هذا المعرض في إعادة افتتاحه بعد ترميمه». يُذكر أن معرض رينويك الفني الموجود على بُعد خطوات من البيت الأبيض في واشنطن، كان أول بناية في أمريكا تُبنَى لكي تستعمل كمتحف للفنون، وقد سُمّي بهذا الاسم تيمّناً باسم المهندس المعماري الذي صمّمه جيمس رينويك جونيور.