زينب عزيز، سيّدة فلسطينية أرادت أن يكون لها مشروعها الخاص الذي لم يسبقها إليه أحد، فتفتَّق ذهنها عن فكرة لنسج أكياس القمامة البلاستيكية بالسنّارة، أطلقت عليه اسم «التراث الجديد». فما حكايتها وحكاية مشروعها؟ قابلتها وكانت تحاول توضيب العديد من الأغراض المتكومة حولها، مع عدد لا بأس به من الرفيقات اللواتي اجتمعت بهنّ في أحد الأماكن العامة في مدينة غزة، وبَدَا عليهنّ كأنهنّ في جلسة نسائية، يتخللها الضحك والحديث الذي هو من وجهة نظرهنّ «مُسلٍّ». إلّا أن ما كان يُميّز جلستهنّ، هو تلك الأغراض التي كانت عبارة عن «أكياس بلاستيكية» و«دمى» و«سنانير حياكة»، إلى جانب بعض المنتجات التي يبدو للوهلة الأولى أنها صُنعت من «الصوف»، لكنك قد تُفاجأ حين تَعلَم أنّ الأكياس البلاستيكية «المستعملة» المتناثرة حولهنّ، هي الخامة الأساسية التي تستخدمها صاحبة فكرة تحويل أكياس القمامة البلاستيكية إلى قطع فنية، ومادة لحياكة ملابس ألعاب الأطفال، السيدة زينب عزيز. حلم الطفولة تقول السيدة زينب: «فكرة مشروعنا تقوم على إعادة تدوير الأكياس البلاستيكية الملونة المستعملة للأغراض المنزلية، واستخدامها في صنع قطع للزينة المنزلية». وتضيف: «عندما كنت طفلة، كان الجميع يسألونني عن حلمي. وعندما كبرت، علمت أن التمسُّك بحلم الطفولة، الذي ما عدت أذكره الآن، ليس سهلاً، فالواقع يواجهنا في أول الطريق إليه». وتتابع: «درست تَخصُّص الدراسات الإسلامية، ثم اللغة العربية، عَسَاني أستطيع من خلال أحدهما تأمين مستقبلي. لكن، مع أوضاع البلاد الصعبة، لم يفدني أيٌّ منهما، فانضممتُ إلى رَكْب أصحاب البطالة بصُحبة زوجي». المعلّم «يوتيوب» لمعت في بال زينب فكرة إنشاء مشروع خاص. لكن الفكرة لا بد لها من مادة تحولها من نظرية إلى واقع، فقررت أن تستبدل تلك الفكرة بتعلُّم هوايةٍ تستثمرها إن تمكنت منها. تقول زينب: «لم يكن عندي المال الكافي للالتحاق بمراكز التدريب المهني، فقررت استغلال الإنترنت، وخصوصاً موقع «يوتيوب» في التعلم، وصدقاً كان مُعلّماً جديراً بالاحترام». تعلمت زينب عن طريق الـ«يوتيوب» التطريز والخياطة بالسنّارة، وغيره من المهارات التي تهم السيدات على وجه الخصوص، والتي تتعلق بصنع الملابس والزينة المنزلية. وتُعد مهارة الخياطة والتطريز من المهارات الشائعة لدى ربّات البيوت الفلسطينيات، وهو من الفنون الشعبية الفلسطينية التي تحوّلت عبر التاريخ إلى حرفة، وتطورت لتصبح مَوْرد رزق لفئة كبيرة من النساء، حيث توافرت فيها خصائص تتلاءم مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني. وتضيف السيدة عزيز: «لم أستطِع الاستمرار في تَعلُّم الصوف والتطريز، بسبب عدم قدرتي على توفير المواد الخاصة بهما، فقررت استبدال موادهما بمادة أخرى متوافرة وغير مكلفة، فقررت وقتها أن أجرّب استخدام الأكياس المنزلية المستعمَلة». العمل الأول لم يكن اختيار زينب عزيز للأكياس المستعملة كمادة خام في صنع موادٍ للزينة مَحْض فكرة طائشة مرّت بخاطرها، بل اسْتَقْتَها من أحد البرامج التلفزيونية، الذي كان يتحدث عن استغلال مخلّفات البيئة لصالحها. لم تجد زينب مادة تضر بالبيئة كـ«البلاستيك»، وقد لاحظت الانتشار الكبير للأكياس البلاستيكية في الشوارع، وهي التي لطالما كرهت مناظرها في شوارع مدينتها، فقررت أن تكون هذه الأكياس هي الوسيلة التي تُفيد من خلالها بيئتها، إلى جانب استغلالها في تأمين مستقبل جيدٍ لها. صنعت زينب أولاً ملابس مُزّينة لدمية بلاستيكية كانت لطفلتها، وأرتها لزوجها السيد عبد الله عزيز، الذي احتفَى بها أيّما احتفاء، بعدما رأى دقّة صنيعها. وبعدما تعب في محاولات تخمين المادة التي صنعت زوجته الدمية منها. وحين علَم أنها أكياس البلاستيك، شجعها كثيراً على الاستمرار في استخدام المادة نفسها، وصنع العديد من الزينة المنزلية المختلفة، وعلى ذلك أيضاً شجّعها كلُّ من رأى تلك الدمية. رفقة العمل عملت السيدة زينب لفترة وجيزة وحدها. لكنها خافت على نفسها من الضجر، فاحتمَت بظهر رفيقتها الآنسة سهير أبو سيسي، العاطلة عن العمل. وتقول سهير: «عرضت عليّ زينب العمل معها في صنع الزينة، بعدما ازدادت طلبات العمل عليها وعدم قدرتها على الإيفاء بها وحدها، فقبلت ذلك في البداية لأقتل الملل الذي كنت أعيش به كوني فتاة عاطلة عن العمل، ثم بعد ذلك وجدت في صنع الزينة من الأكياس مُتعتي الضائعة». وتضيف سهير وهي تشير إلى أختها منال أبو سيسي: «حين رأت أختي منال منتجاتنا، أصرّت على أن تنضم إلينا، وها نحن نُشكل معاً فريقاً رائعاً». وتبتسم منال لحديث أختها وتردّ عليها وهي توجه كلامها إليّ قائلة: «جَمْعتكُم مع بعض أحلَى بألف مرّة مِن قَعْدة البيت وغَيْر إنّا بنتْسَلَّى، صار شغل الزينة شيئاً أساسياً في حياتي، وحتى لو توظّفت فلن أتركه». «التراث الجديد» سمعت بعض السيدات والفتيات الخرّيجات عن مشروع زينب فقرّرن الانضمام إليها، حتى شكّلن مع زينب وسهير فريقاً مكوَّناً من إحدى عشرة امرأة، منهنّ أم أسامة السيّدة الخمسينيّة، والتي كما تقول، تعرفت إلى السيدة زينب من صاحب محل بيع الصوف والـ«تريكو»، الذي كانت تشتري منه زينب موادها الخام الأولى، حيث أخبرته حين قررت أن تعمل على الأكياس البلاستيكية، أنها لن تعود لتشتري منه خامات الصوف مُجدَّداً وطلبت منه أن يسأل لها التوفيق. وتقول السيدة أم أسامة: «أنا من السيدات اللواتي كنّ يتخذن من الصوف وسيلة لإعالة أطفالهنّ. وحين أخبرني بائع الصوف بمشروع السيدة زينب ألححتُ عليه أن يوصلني إليها بأي طريقة، وحين عرفت زينب ورأيت منتجاتها، أصررتُ على أنني لن أتركها وسأنضم إلى فريقها الرائع». وسرعان ما قررت النسوة تسمية فريق عملهنّ بـ«التراث الجديد»، وهو اسم استقينه من وسيلة وفكرة زينب. أما وسيلة صنعها فهي عبارة عن «السنانير»، تلك الأداة التي تُعتبر من التراث الفلسطيني والعربي على حدٍّ سواء، والتي كانت تُستخدم في حياكة الملابس. وإلى الآن تجد بعض السيدات متعتهنّ في صنع ملابس أطفالهنّ وأحفادهنّ باستخدامها. أما الفكرة، فكانت استخدام الأكياس البلاستيكية، وهي فكرة فريدة ونوعية، وقد تكون غير معقولة لدى البعض، فهي فكرة جديدة لم يسبق لأحد أن استخدمها، ومن هنا جاء اسم «التراث الجديد». منتجات فلسطينية اشترك فريق «التراث الجديد» في أكثر من معرض للمنتجات الفلسطينية. وتقول السيدة زينب إنها لم تتوقع ردّ فعل إيجابياً «كالذي حدث من الناس حين رأوا منتجاتنا»، لافتةً إلى «أننا حصلنا على الكثير من الدعم المعنوي الذي شجّعنا على الاستمرار، وبَيّن لنا أننا نسير في الطريق الصحيح». علماً بأن المنتجات التي شاركت بها زينب وزميلاتها في المعارض، كانت عبارة عن قبّعات و«اكسسوارات» للفتيات، وأغطية ومناضد ودمى وعلب أقلام، تبدو للناظر إليها وكأنها مصنوعة من الصوف وأنواع خيوط أخرى، وبالتالي لا يخطر ببال من يراها أنها من الأكياس المستعملة أبداً. تسويق إلكتروني ولأن مشروع السيدة زينب فريد ومتميّز وجديد أيضاً، فهو يحتاج إلى تعريف الناس به. من هنا، لم يكن أمامها إلّا أن تقوم بالدعاية لنفسها بنفسها، حيث رأت أنه ما من طريق سيوصل منتجاتها إلى النساء أسرع من موقع «فيسبوك». وفي هذا السياق، تقول زينب: «أنشأت حساباً خاصاً باسم «التراث الجديد»، وقمت بإنشاء صفحة خاصة، وبدأت أنشر عليها منتجاتي بعدما أقوم بتصويرها. واللافت أن هناك تَفاعُلاً جميلاً في صفحتي، حتى من دون إعلان مُموّل». وكغيرها من المشكلات التي تواجه المشاريع المتميّزة والواعدة في قطاع غزّة، تشتكي السيدة زينب من انعدام الدعم من المؤسسات المسؤولة في القطاع. وتقول إنها توجهت إلى أكثر من مؤسسة، وكل ما حصلت عليه منهم هو الدعم المعنوي والانبهار بالمشروع.