مهرجان ليوا الدولي أنشطة مجتمعية تحرس الذاكرة وتعزز الانتماء
#سياحة وسفر
لاما عزت 3 يناير 2026
في «ليوا».. تلك الواحة الصحراوية العميقة بقلب منطقة الظفرة، غرب أبوظبي، لا تبدأ الحكاية من منصة، ولا تنتهي عند جدول فعاليات. إنما تبدأ من الرمل نفسه؛ ذلك الامتداد الصامت، الذي علّم الإنسان الصبر، ودرّبه على الإصغاء. هنا، في قلب منطقة الظفرة، تعود الصحراء كل شتاء؛ لتستعيد صوتها، لا بوصفها فضاءً للفرجة، بل كذاكرة حيّة، تُعيد طرح السؤال القديم: كيف نحيا بالمكان دون أن نستهلك روحه؟.. من هذا المعنى، يأتي «مهرجان ليوا الدولي» امتداداً طبيعياً لهذه العلاقة التاريخية بين الإنسان والصحراء. فمنذ انطلاقه، عام 2001، راكم «المهرجان» طبقاتٍ من التجربة، وتحوّل إلى منصة تتقاطع فيها أشكال التعبير المعاصر مع الجذور الأولى للحياة بمنطقة الظفرة. وفي موسمه الشتوي، الممتد من 12 ديسمبر 2025، والمستمر إلى 3 يناير 2026، لا يضيف «المهرجان» حدثاً جديداً إلى التقويم فحسب، بل يفتح زمناً آخر داخل الزمن، حيث تُستعاد الصحراء فضاءً جامعاً للتراث، والمغامرة، والتلاقي الإنساني.
-
مهرجان ليوا الدولي أنشطة مجتمعية تحرس الذاكرة وتعزز الانتماء
«تلّ مرعب»
لا تُقدَّم ليوا في «المهرجان» كخلفية جغرافية، بل كفاعل أساسي في التجربة. فـ«تلّ مرعب»، أعلى الكثبان الرملية بدولة الإمارات، رمز لعلاقة الإنسان الإماراتي بالتحدي، ورغبته الدائمة في اختبار حدوده دون قطيعة مع المكان. هنا، يصبح الصعود فعلاً معرفياً، بقدر ما هو جسدي؛ واختباراً للإرادة، وقراءةً دقيقةً لطبيعة الرمل، وتوازناً بين الجرأة والاحترام. اختار «المهرجان» هذا الموقع؛ ليكون قلبه النابض، كأنه يعلن أن المغامرة لا تنفصل عن الوعي بالمكان، وأن الحداثة إن لم تُصغِ إلى الأرض؛ تفقد معناها. ففي محيط «تلّ مرعب»، تتكثّف فعاليات رياضة السيارات بمختلف أشكالها، من سباقات السرعة و«الاستعراض الحر»، إلى بطولات «الدريفت»، وسباقات الـ(UTV)، وتحديات الرمال التي تختبر مهارة السائقين، وقدرتهم على قراءة الكثبان. وإلى جانبها، تحضر سباقات الجري، والدراجات الهوائية، كنشاطين يُعيدان الجسد إلى تماسٍّ مباشر مع الصحراء، بإيقاع أبطأ، لكنه لا يقل تحدياً، أو حضوراً. وبموازاة ذلك، يحتفي «المهرجان» برياضاته التراثية، ومنها: بطولة الصقور، وبطولة هدد الحمام، بوصفهما امتداداً لهوية المكان. أما في المساء، فتتحول الصحراء إلى فضاء بصري مفتوح، مع العروض الضوئية، والطائرات المسيّرة، ومناطيد الهواء، في مشهد احتفالي، يتناغم مع اتساع الأفق.
-
مهرجان ليوا الدولي أنشطة مجتمعية تحرس الذاكرة وتعزز الانتماء
«قرية ليوا».. قلب «المهرجان»
في قلب «المهرجان»، تنبض «قرية ليوا» كمساحةٍ إنسانية دافئة، لا تستعرض التراث بقدر ما تعيشه. هنا، لا تُقدَّم الحِرَف التقليدية كمعروضات، بل كممارسات حيّة، ومنها: السدو، والتلي، والدخون، والقهوة العربية، وجميعها حاضرة؛ بوصفها أفعالاً يومية، شكّلت وجدان المكان. كما يختبر الأطفال اللعب؛ بوصفه اكتشافاً، والكبار يستعيدون ذاكرتهم الشخصية مع التفاصيل الصغيرة. ففي هذه «القرية»، يتجاور الماضي والحاضر دون افتعال، ويشعر الزائر بأن الثقافة ليست خطاباً، بل حياة تُمارَس.
-
مهرجان ليوا الدولي أنشطة مجتمعية تحرس الذاكرة وتعزز الانتماء
مواقع أثرية
يمتد البعد الثقافي للمهرجان إلى القلاع التاريخية في ليوا، حيث يصبح الحجر راوياً، عبر القلاع المنتشرة في المنطقة، التي تتحول خلال «المهرجان» إلى فضاءات حيّة للسرد الثقافي، فتستضيف أنشطة ثقافية، وأسواقاً تراثية تُعيد وصل الإنسان المعاصر بتاريخ المكان. فمثلاً، «قلعة مزيرعة»، التي تعود جذورها إلى عام 1800، تقف شاهدة على دور ليوا كمنطقة استقرار وحماية، وتستعيد - خلال «المهرجان» - حضورها كمركزٍ للتلاقي، حيث تُقام العروض الثقافية، والأسواق التراثية، في تذكيرٍ بدورها التاريخي كقلبٍ اجتماعي للواحة. أما «قلعة قطوف»، المشيّدة في عشرينيات القرن الماضي، فتمنح الزائر تجربة أقرب إلى الحياة اليومية القديمة، عبر الحِرَف الشعبية، والتفاعل المباشر مع الحرفيين، كأن «القلعة» تفتح نوافذها على زمنٍ لم ينقطع، بل استمر في تفاصيل الأيدي، والمواد. ويأتي «برج موقب»، الذي بُني بين عامَيْ: 1922، و1926، كنقطة مراقبة وحماية؛ ليؤدي اليوم دوراً ثقافياً جديداً، حيث يستضيف أنشطة مجتمعية، تُعيد تعريف معنى الحراسة: حراسة الذاكرة، وليست الحدود. بينما تختصر «قلعة الميل»، الأقدم بينها، تاريخ ليوا الدفاعي والاجتماعي، وتمنح الزائر إحساساً بأن المكان لم يكن يوماً صامتاً، بل كان دائماً عامراً بالحياة، والتخطيط، والوعي بالمحيط. إن زيارة هذه القلاع، خلال «المهرجان»، تمنح الزائر تجربة إدراك: كيف صاغ المكان إنسانه، وكيف حافظ هذا الإنسان على ملامح المكان!
-
مهرجان ليوا الدولي أنشطة مجتمعية تحرس الذاكرة وتعزز الانتماء
خيارات متنوعة
لا تُفْصل الإقامة بمنطقة الظفرة عن تجربة «مهرجان ليوا»، بل تُعد امتداداً طبيعياً لها. وتتنوع الخيارات بين المنتجعات الصحراوية القريبة من موقع الفعاليات، مثل: المخيمات الفاخرة التي تتيح معايشة الصحراء بخصوصية وهدوء، والفنادق المطلة على واحات ليوا، حيث يتجاور الرمل والنخيل، في مشهد يعكس توازن المنطقة بين القسوة، والعطاء. كما تمتد الخيارات إلى المنتجعات الساحلية في المرفأ والظنة، لمن يفضّلون الجمع بين الصحراء والبحر. ويبقى التخييم الخيار الأكثر التصاقاً بروح ليوا، لمن يرغبون في اختبار الصحراء، كما هي: مفتوحة، وصافية، وتحت سماء لا يحدّها شيء.
ما الذي يبقى؟!
بعد انقضاء الأيام، لا يبقى من ليوا برنامج الفعاليات، بل يبقى أثرها.. ذلك الشعور بأن الصحراء ليست مكاناً نزوره، بل تجربة تعيد ترتيب علاقتنا بالزمن، والذات، والمعنى.. ليوا لا تطلب من زائرها التقاط صور أكثر، بل تريد منه أن يصغي بشكل أكثر إنصاتاً.