ديما فرج إماراتية تجمع بين ابتكار الطيران وإبداع العمارة
#تكنولوجيا
ياسمين العطار اليوم 15:34
نسجت المعمارية الإماراتية، ديما فرج، التي جمعت بين ابتكار الطيران وإبداع العمارة، قصتها الخاصة. إنها امرأة رأت في العمارة أكثر من مبانٍ، وفي الطيران أكثر من تحليق، فقادت مشاريع هندسية كبرى في مجال الطيران، وأسهمت في تطوير التخطيط العام، وإدارة المشاريع؛ لتحصد جائزة «المدن الذكية» في مهرجان العمارة العالمي، عن مشروعها المبتكر «X-Space»، قبل أن تُكرم بجائزة الإمارات للمرأة؛ لتتوج رحلة بدأت من حلمٍ، كتبته في دفترها منذ الصغر، وتواصلت بامرأة تصمم المستقبل.. في هذا الحوار، تفتح ديما فرج قلبها، وعدستها الفكرية، لمجلة «زهرة الخليج»، وتتحدث عن فلسفتها المعمارية، ورؤيتها للإنسان؛ بوصفه جوهر كل بناء:
ما وَصْفُك للرحلة، التي أوصلتك إلى هذه التكريمات، وما الذي تعنيه لك الجوائز؟
رحلتي بدأت في طفولتي، حين كنت أكتب على دفاتري «المهندسة المعمارية ديما فرج»، دون أن أدرك، تماماً، أن الحلم يمكن أن يصبح فضاءً ملموساً يراه الناس. كنت أراقب مدينتي أبوظبي وهي تنمو، وتحاور السماء، وأتأمل الضوء، وهو يغير وجه الرمال. تلك المشاهد البسيطة زرعت بداخلي الإحساس الأول بالعمارة: كيف يمكن للطبيعة - التي أعتبرها الأستاذ الأول للعمارة - أن تُعلمنا التوازن، والبساطة، والقدرة على التحول دون أن نفقد الجمال. أما الجوائز، فكلٌّ منها كانت محطة تذكرني بالمسؤولية، والتزاماً أكبر بأن أكون صوتاً للعمارة الإماراتية، التي تمزج الابتكار بالإنسانية.
-
ديما فرج إماراتية تجمع بين ابتكار الطيران وإبداع العمارة
إعادة النسيج الحضري
مشروع «X-Space» كان نقطة تحول في مسيرتك.. كيف بدأت الفكرة، ومتى شعرت بأنها أصبحت واقعاً؟
إن «X-Space» مشروع تجاوز حدود الهندسة إلى فكرة فلسفية حول المدينة والإنسان، وقد بدأت فكرته من تساؤل مع فريق العمل: كيف يمكننا أن نحل مشكلة الطرق السريعة، التي تخترق المدن، وتقطع نسيجها الحضري؟.. كان «X-Space» تأملاً في ظاهرة التمدد العمراني، وكيفية إعادة المدينة إلى إنسانيتها. اخترنا طريق الشيخ زايد، النابض بالحياة في دبي؛ ليكون موقع المشروع؛ لأنه يحمل اسماً غالياً على قلوبنا جميعاً: الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. حين بدأنا تحويل التصاميم المفاهيمية إلى نماذج رقمية، تلتقط الضوء والكتل كما تخيلناها، شعرنا بأن المشروع بدأ يتنفس. وقد فاز «X-Space» بجائزة المدن الذكية في مهرجان العمارة العالمي عام 2019، هذا الفوز جعلني أمتن كثيراً لوطني، الذي منحني الفرصة لأتعلم، وأجرب، وأحلم دون حدود؛ فأدركت أن العمارة إبداع إنساني، ورسالة ثقافية تعكس هويتنا، ووعينا بالبيئة.
بين العمارة والطيران، اتبعتْ رحلتك العلمية مساراً مميزاً.. كيف ساعدك هذا التداخل في تقديم رؤية مختلفة؟
علاقتي بالطيران بدأت من العمارة ذاتها؛ فأثناء دراستي «الهندسة المعمارية» بالجامعة الأميركية في دبي، انجذبت إلى عالم المطارات، حيث تلتقي الدقة بالخيال. ومشروع تخرجي كان عن مطار آل مكتوم الدولي، وسميته «المضيف»؛ فهو تصميم يجمع بين الضيافة الإماراتية، وديناميكية الحركة الجوية. وقد أدركت أن الطيران والعمارة يتكاملان: الطيران يعلمني الانسيابية والانضباط، والعمارة تمنحني الحرية والجمال. بعدها، بدأت عملي الرسمي بقسم التخطيط والتطوير في مؤسسة دبي لمشاريع الطيران الهندسية. كما كنت ضمن القائمة القصيرة لبرنامج رواد الفضاء الإماراتيين، ورغم أن حادثاً حال دون اكتمال الرحلة، إلا أنني أدركت أن التحليق لا يحتاج إلى جناحين، فكل مبنى يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الطيران.. لكن بأدوات مختلفة.
كفاءة أعلى
هل حدث أن واجهت لحظة؛ شعرتِ خلالها بأن التحدي لا يمكن تجاوزه، وكيف حولتِ الصعوبة إلى فرصة للابتكار؟
في أحد مشاريع المطارات، واجهنا تأخراً وضغطاً هائلًا في المواعيد. بدا الموقف كأنه أزمة، لكننا قررنا تحويله إلى فرصة؛ فأعدنا توزيع الأدوار، وأدخلنا أدوات رقمية جديدة لتنظيم العمل؛ فكانت النتيجة مشروعاً أكثر كفاءة. وكنا نواجه نقصاً في البيانات؛ فقمنا بعمل دراسات ميدانية بسيطة، مثل: قياس الوقت الذي نحتاج إليه؛ لعبور شارع أو طريق سريع، أو حساب مدة الوصول إلى وجهات محددة؛ لنصنع - بأنفسنا - قاعدة بيانات واقعية، تعكس حركة المدينة، كما يعيشها الناس فعلاً. وكذلك، كان علينا أن نبتكر حلولاً تصميمية، تتماشى بذكاء مع الأكواد، والمعايير المعمارية الصارمة المعتمدة في أبوظبي ودبي، دون أن يفقد المشروع روحه، أو فكرته الأصلية.
هل يمكن للبيت أن يكون مرسم الإلهام الأول في حياة المعمارية، وهل تؤثر أدوارك المتعددة في رؤيتك للإبداع، ونقل المعرفة للأجيال القادمة؟
اليوم، أتابع دراستي للحصول على درجة الدكتوراه في «إدارة الطيران»؛ فأعمل مع أساتذتي وزملائي على إعداد أبحاث، تتناول المطارات، والتخطيط المستقبلي للبنية التحتية الجوية. أما على الصعيد الشخصي، كوني أماً، فمشروعي الأول والأهم هو بناء جيلٍ ناجحٍ ومفيدٍ لوطنه، جيلٍ يُعطي ويُبدع، ويعرف معنى الانتماء قبل أي شيء. ابنتي «نورة» بدأت سنتها الجامعية الأولى، ودائماً أقول لها: «لا تختاري تخصصك؛ لأن الآخرين يرونه مناسباً، بل اختاري الطريق الذي يُشبهك، ويُشبه حلمك. وكوني إضافة إلى مدينتك ووطنك؛ فكل فكرة صادقة - مهما كانت بسيطة - قادرة على تغيير العالم». وابني «أحمد» أحاول أن أزرع فيه حب التعلم والفضول، وأن يفهم أن التصميم طريقة تفكير ترى الجمال والاحتمال في كل ما حولنا. إن الإلهام يولد في البيت، وينمو حين نثق باختيارات أبنائنا؛ ليصمموا أحلامهم بطريقتهم.