«الفايبروميالجيا» تحدٍّ صامت يتطلب وعياً
#صحة
كارمن العسيلي اليوم
مرض لا تكشفه التحاليل، ولا تُثبته الأشعة، ويعيش في جسد صاحبه يومياً؛ فيُنهك طاقته، ويُعطّل تركيزه، ويسرق نومه. هذا هو «الفايبروميالجيا»؛ المرض الذي ظل - لسنوات طويلة - حبيس التفسيرات المغلوطة، والوصم النفسي، قبل أن يحظى بالاعتراف العلمي، الذي يستحقه. ولأن الفهم الصحيح أولى خطوات الشفاء.. التقت «زهرة الخليج» الدكتورة فاطمة عبدالله، أخصائية أمراض الروماتيزم في مستشفى التأهيل التخصصي بأبوظبي؛ لتبحر بنا في أعماق هذا المرض غير المرئي، وترسم لنا «خارطة طريق» علمية؛ للتعايش معه، والانتصار على أوجاعه.
تُعرّف الدكتورة فاطمة عبدالله «الفايبروميالجيا»؛ بأنه مرض روماتيزمي مزمن، غير التهابي، وغير مناعي، يتجلى في آلام منتشرة تطال العضلات والمفاصل معاً، مصحوبة بإجهاد عام، وتيبس في الجسد، واضطرابات في النوم والإدراك، تشمل: صعوبة التركيز، وضعف الذاكرة، وتقلبات في المزاج. وتضيف: أن ما يُعقّد هذا المرض ليس تعقيده الطبي فحسب، بل تاريخه الطويل من سوء الفهم؛ إذ يعود أول توصيف موثق له إلى عام 1904، حين شخص الطبيب البريطاني، السير ويليام غاور، متلازمة الألم العضلي المنتشر، وإن كان الطبيب الإغريقي، جالينوس، قد أشار إلى أعراض مشابهة قبل قرون. وتُشير أخصائية أمراض الروماتيزم إلى أن المجتمع الطبي ظل، طويلاً، في مواجهة هذا المرض، إذ غاب عنه ما اعتاده من قياسات موضوعية، منها: التحاليل، والأشعة؛ فاعتبره بعضهم وهماً، أو اضطراباً نفسياً. ولم تظهر أول صورة تشخيصية معتمدة إلا عام 1990؛ لتبدأ معها مرحلة جديدة من الفهم، والعلاج.
-
«الفايبروميالجيا» تحدٍّ صامت يتطلب وعياً
داخل الجهاز العصبي
وعن الطريقة التي يعمل بها هذا المرض داخل الجسم.. شرحت الدكتورة فاطمة عبدالله أن أقوى النظريات العلمية تُرجع السبب إلى تغيرات في الجهاز العصبي المركزي، تُفضي إلى ارتفاع غير منتظم في مستويات المواد الكيميائية الدماغية، المسؤولة عن نقل إشارات الألم. وينتج عن هذا الخلل ما يُعرف بـ«التضخيم المركزي»، حيث يُصبح الجسم مفرط الحساسية تجاه المحفزات، التي لا تُسبب ألماً عادةً؛ فيتحول الإحساس الطبيعي إلى معاناة حقيقية. وفي ما يخص مَنْ هم أكثر عرضة للإصابة، أوضحت أخصائية أمراض الروماتيزم أن المرض يصيب ما بين 3 إلى 6% من البالغين، وهو أكثر انتشاراً في النساء بين الثلاثين والخامسة والخمسين، وإن كان يطال الرجال والمراهقين وكبار السن، أيضاً، بنسب أقل. وأكدت أن الوراثة تلعب دوراً في ذلك، إلى جانب عوامل نفسية وجسدية، وقد يرتبط ظهوره بمحفزات، مثل: حادث، أو صدمة نفسية، أو عدوى شديدة، أو عملية جراحية كبرى.
حين يُصبح التفكير عبئاً
ومن أبرز ما تحدثت عنه الدكتورة فاطمة عبدالله، ما بات يُعرف بـ«ضباب الفايبروميالجيا»، وهو تأثير المرض في القدرات الإدراكية، كضعف في التركيز والذاكرة، وصعوبة في أداء المهام اليومية، وهو ما يعانيه نحو ثلث المرضى. وأضافت أن «اضطرابات النوم» تُشكّل ركيزة أساسية في تشخيص المرض؛ فهي نتيجة لاضطراب الجهاز العصبي، ومُحفّز لاشتداد نوبات الألم في الوقت نفسه؛ ما يجعلها محوريةً في تحديد خطة العلاج. وعن التشخيص، أوضحت أخصائية أمراض الروماتيزم أن المعايير تطورت بمرور الزمن؛ من اعتماد نقاط ضغط محددة عام 1990، إلى صورة تشخيصية أدق عام 2010، تُراعي مناطق الألم ودرجاته، وصولاً إلى المعايير الحالية المُراجَعة عام 2016، التي تقيس توزيع الألم وشدته مع بقية الأعراض، مع اشتراط أن يتجاوز الألم ثلاثة أشهر. وأشارت إلى أن هذا المرض لا يُسبب التهاباً أو تورماً في المفاصل، ولا ترتفع معه مؤشرات الالتهاب في الدم، كما في أمراض روماتيزمية أخرى.
خيارات العلاج
وعن علاج هذا المرض، أكدت الدكتورة فاطمة عبدالله أنه لا توجد وصفة موحدة، إذ تتباين خطط العلاج بحسب الأعراض وشدتها، مع الأخذ بمبدأ «ابدأ بجرعة صغيرة.. وتدرّج ببطء». ولفتت أخصائية أمراض الروماتيزم إلى أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، اعتمدت أدوية تعمل على زيادة مادة «السيروتونين»، والتأثير في الاعتلالات العصبية، في حين لم تُثبت المسكنات التقليدية، أو الستيرويدات، فاعليةً تُذكر في السيطرة على الأعراض. وأشارت إلى أحدث علاج معتمد من «FDA» في أغسطس 2025، وهو دواء «تونميا»، الذي يُؤخذ يومياً قبل النوم، ويستهدف تحسين جودة النوم، وتقليل الألم والتعب. وفي سياق العلاجات التكميلية، شرحت الدكتورة فاطمة عبدالله أن العلاجات: الفيزيائي، والمائي، والوخز بالإبر الجافة، تُؤدي دوراً داعماً وفعالاً، فيما تُجرى أبحاث حول «Prolotherapy» (حقن مناطق الألم بمحلول «ديكستروز»؛ لتحفيز الخلايا)، وجهاز «TENS» للتحفيز الكهربائي للأعصاب. وفي ما يخص النظام الغذائي، أوصت أخصائية أمراض الروماتيزم بالإكثار من الخضروات والفواكه، والابتعاد عن الأغذية المصنعة، والغنية بالمواد الحافظة، والغلوتين. أما الرياضة، فاعتبرتها من أهم محاور العلاج، مُرشِّحةً المشي، والسباحة، وركوب الدراجات، واليوغا، و«الأيروبكس» المائي.
-
«الفايبروميالجيا» تحدٍّ صامت يتطلب وعياً
ثلاث نصائح
وفي ختام حديثها، وجهت الدكتورة فاطمة عبدالله، أخصائية أمراض الروماتيزم في مستشفى التأهيل التخصصي بأبوظبي، ثلاث نصائح ذهبية؛ للتعايش بسلام مع هذا المرض، تبدأ بتثقيف المريض بطبيعة حالته ومحفزاتها، ثم وضع أهداف واقعية للعلاج، تأخذ بعين الاعتبار الطابع المزمن للمرض وتقلباته، وأخيراً التوعية المجتمعية، التي تشمل الأهل والأصدقاء؛ لتفادي وصم المريض بـ«التمارض»، وتوفير بيئة داعمة له تقلص القلق والاكتئاب، مؤكدة أن الدعم المعنوي ركيزة أساسية؛ لتحسين جودة حياة المصابين بهذا التحدي الصامت.
5 أسئلة.. وأجوبة
1. كيف يمكن للمريض أن يُفرّق بين نوبة الألم العادية، ونوبة «الفايبروميالجيا»، في حياته اليومية؟
ألم «الفايبروميالجيا» ينتشر في مناطق عدة بالجسم في الوقت نفسه، ويستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، ويترافق مع إجهاد وأعراض معرفية، بخلاف الألم الموضعي العادي، الذي يكون محدداً، ومؤقتاً.
2. هل «الفايبروميالجيا» مرض مستقل دائماً، أم يمكن أن يظهر كتعقيد لمرض آخر؟
يمكن أن يظهر «الفايبروميالجيا» مستقلاً، أو مصاحباً لأمراض أخرى، مثل: «الروماتويد، والذئبة الحمراء، ونقص فيتامين (D)»؛ ما يستوجب تقييماً شاملاً؛ لاستبعاد الأمراض المصاحبة، وتحديد خطة علاج مناسبة.
3. هل يُشفى المريض تماماً من «الفايبروميالجيا»، أم أن الهدف هو التحكم في الأعراض فحسب؟
«الفايبروميالجيا» مرض مزمن، والهدف الأساسي هو تحسين جودة الحياة، والسيطرة على الأعراض، غير أن بعض المرضى يصلون إلى مراحل من الهدوء «الإكلينيكي» الكامل؛ عند الالتزام بالخطة العلاجية المتكاملة.
4. هل للضغط النفسي تأثير مباشر في تفاقم أعراض «الفايبروميالجيا»؟
نعم، يُعدّ الضغط النفسي من أبرز محفزات اشتداد أعراض هذا المرض، إذ يُؤثر مباشرةً في الجهاز العصبي المركزي، ويزيد حساسية الألم؛ ما يجعل إدارة الصحة النفسية ركيزةً أساسية في أي خطة علاجية متكاملة.
5. ما الفرق بين «الفايبروميالجيا» والتعب المزمن، وهل يمكن أن يتشابها في التشخيص؟
تتشارك الحالتان أعراضاً، منها: الإجهاد، واضطرابات النوم، والضباب الذهني، غير أن «الفايبروميالجيا» يتميز بالآلام العضلية والمفصلية المنتشرة. وقد يتزامن المرضان معاً؛ ما يستلزم تقييماً تشخيصياً دقيقاً؛ للتمييز بينهما