د. لولوة المرزوقي: من الإمارات نصنع نموذجاً تعليمياً يؤثر عالمياً
#ملهمون
لاما عزت اليوم 11:30
في مسيرة الدكتورة لولوة المرزوقي، لا يُختزل التعليم في شهادة، ولا المعرفة في تحصيل، بل يتحولان إلى موقف، ورؤية، ومسؤولية. فمنذ بداياتها الأكاديمية، وصولاً إلى أدوارها القيادية في مؤسسات التعليم وصناعة السياسات، بَنَتْ لنفسها مساراً يقوم على فكرة واضحة: «لا قيمة للمعرفة؛ ما لم تتحول إلى أثر». تنتمي المرزوقي إلى جيل اختار أن يسبق الطريق، وأن يربط بين التعليم واحتياجات المجتمع، وبين الطموح الفردي والمشروع الوطني.. في هذا الحوار، تفتح الدكتورة لولوة المرزوقي، نائب وكيل جامعة نيويورك أبوظبي، صفحات من تجربتها، التي تمتد بين التعليم، وصناعة السياسات، والعمل المجتمعي؛ لتقدم قراءة صريحة لتجربة الإمارات في بناء نموذج معرفي متقدم، ولتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التعليم، ودور المؤسسات في زمن تتسارع به التحولات:
-
د. لولوة المرزوقي: من الإمارات نصنع نموذجاً تعليمياً يؤثر عالمياً
لو عدنا إلى بداياتكِ.. كيف شكّلت البيئة التعليمية في الإمارات وعيكِ المبكر؟
نشأتُ في بيئة آمنت بأن التعليم ليس خياراً، بل ركيزة أساسية لبناء الوطن. خلال سنوات دراستي الأولى في «جامعة زايد»، لم تكن طموحاتي تقتصر على نَيْل شهادة جامعية؛ فقد كنت أرى - بوضوح - كيف تستثمر الدولة فينا كشباب، وكيف تُبنى الجامعات؛ لتكون حواضن حقيقية لقادة المستقبل. هذا الاستثمار الاستثنائي زرع - بداخلي - يقيناً بأن المعرفة ليست فقط مساراً شخصياً للنجاح، بل أمانة ومسؤولية مجتمعية، تساهمان في نهضة الدولة. نحن نتعلم لنبني، ونبني لنُلهم، ولنساهم في بناء مجتمع معرفي، يحمل راية الإمارات الريادية، ويُديم أثرها في المشهد العالمي.
جيل مهّد الطريق
أنتِ من الجيل الأول من الإماراتيات الحاصلات على درجة الدكتوراه، ما الذي كان مختلفاً في تلك المرحلة؟
وقتها، لم أكن أفكر في أنني «أمهد طريقاً»، لكنني كنت مدركة، تماماً، أن كل خطوة أقوم بها لها وزن يتجاوزني شخصياً. تلك المرحلة كانت مزيجاً حقيقياً من التحدي والشغف؛ فلم تكن الخيارات الأكاديمية العليا متاحة بالزخم الذي نراه اليوم، وكان قرار إكمال «الدكتوراه» في الإدارة والقيادة يتطلب إصراراً استثنائياً. إن حصولي على «الدكتوراه» لم يكن إنجازاً فردياً فقط، بل كان رسالة بأن المرأة الإماراتية قادرة على تصدر الصفوف الأولى.. علمياً، وقيادياً.
من خلال عملكِ بجامعة نيويورك أبوظبي.. كيف تقيمين، اليوم، تجربة الإمارات في بناء نموذج تعليمي عالمي على أرض محلية؟
بصفتي نائب وكيل جامعة نيويورك أبوظبي بمكتب شؤون التعليم الجامعي، أعايش هذا النموذج يومياً، وأفتخر بما أشاهده. إن ما نراه، اليوم، ليس مجرد مؤسسات تعليمية عالمية، بل نموذج حضاري متكامل. في «نيويورك أبوظبي»، نعيش تجربة تجمع أكثر من 115 جنسية، مع حضور إماراتي فاعل. والتحدي الحقيقي ليس في استقطاب المؤسسات، بل في الحفاظ على الهوية، فالنجاح يكمن في تحقيق توازن دقيق: «معايير عالمية.. وتأثير محلي».
شاركتِ في برنامج قيادات حكومة الإمارات.. حدثينا عن أثر هذه التجربة في طريقة تفكيركِ، كقائدة!
تتميز هذه التجربة بأنها تُعيد تعريف القائد كصانع أثر. إن التفاعل مع قادة، من قطاعات مختلفة، يوسّع الرؤية، ويعمّق الفهم. ونحن لا نُعد قادة لإدارة الواقع، بل لصناعة المستقبل، واستباق التحولات، وهذا ما يميز النموذج الإماراتي.
ما القاسم المشترك في محطاتكِ المهنية؟
القاسم المشترك، دائماً، كان «ربط التعليم بالأثر الحقيقي». فإيماني العميق بأن التعليم رحلة متصلة، تبدأ من الطفولة المبكرة ولا تنتهي، وجّهني في كل قراراتي المهنية. في «هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة»، ركزت على بناء الأساس المتين للطفل، وفي «لجنة أبوظبي لتطوير التكنولوجيا» و«دائرة التعليم والمعرفة» عملت على دمج التكنولوجيا والابتكار في التعليم. بينما في «جامعة زايد»، و«جامعة نيويورك أبوظبي»، كان التركيز على إعداد الشباب لسوق العمل العالمي.
ما الفكرة التعليمية، التي كنتِ تؤمنين بها، ثم اكتشفتِ لاحقاً أنها غير واقعية؟
في بداية مسيرتي، كنت أؤمن بفكرتين متلازمتين، الأولى: أن هناك نموذجاً واحداً مثالياً للتعليم، يمكن تطبيقه على جميع الطلاب، والثانية: أن جودة المناهج - وحدها - كافية؛ لإحداث التغيير المنشود. مع الوقت والعمل الميداني، أدركت أن الفكرتين بعيدتان عن الواقع؛ فالتعليم منظومة معقدة: الإنسان مختلف، والبيئة والسياسات والثقافة كلها عوامل مؤثرة؛ لذلك أصبح تركيزي على بناء بيئة متكاملة، تدعم الطالب أكاديمياً ونفسياً.
أثر ممتد
اليوم، كيف يُنظر إلى التجربة التعليمية الإماراتية عالمياً، وهل نحن في موقع «التعلّم»، أم «التأثير»؟
عندما أمثل الإمارات في المحافل الدولية؛ ألمس - بوضوح - نظرة إعجاب حقيقية لتجربتنا التنموية والتعليمية. وهناك اهتمام متزايد بالنموذج الإماراتي، خاصة في ثلاثة محاور تستوقف المجتمع الدولي، هي: سرعة التطوير، والربط الذكي بين التعليم والاقتصاد، والاستثمار الجاد في الإنسان. لقد تجاوزنا «مرحلة التعلم البحتة»، فنحن موجودون بقوة في موقع التأثير، والمشاركة في صنع القرار العالمي. إن التجربة الإماراتية، اليوم، تُدرس كنموذج ناجح في الاستثمار بالإنسان.
-
د. لولوة المرزوقي: من الإمارات نصنع نموذجاً تعليمياً يؤثر عالمياً
ما الذي يجعل منظومة تعليمية قادرة، فعلاً، على «تشكيل الإنسان»، وليس فقط «تخريجه»؟
هذه المنظومة ليست تلك التي تملأ العقل بالمعلومات، بل التي تبني التفكير، والقيم. وفي عصر تتوفر فيه المعرفة، يصبح التميز في طريقة التفكير والتأثير. وعندما ندمج المسؤولية المجتمعية مع الذكاء العاطفي؛ نصنع إنساناً قادراً على القيادة.
أين يكمن جَوْهر القيادة اليوم.. في اتخاذ القرار، أم في القدرة على إعادة تشكيل طريقة التفكير داخل المؤسسات؟
اليوم، جوهر القيادة لم يعد في اتخاذ القرار فحسب، بل في إعادة تشكيل طريقة التفكير داخل المؤسسات. واتخاذ القرار مهارة ضرورية، لكنها ليست ما يُميز القائد الاستثنائي؛ فالقائد الحقيقي يغيّر الثقافة قبل النتائج.
التعليم، وصناعة السياسات، والعمل المجتمعي.. كيف تُترجم هذه «الثلاثية»، فعلياً، إلى أثر ملموس، يشعر به الفرد داخل المجتمع؟
هذه «الثلاثية» هي المحرك الحقيقي لأي تغيير إيجابي ومستدام، لكنَّ شرطها الأساسي هو التكامل. فالسياسات تضع الإطار وتُمهّد الطريق، والتعليم يبني القدرات ويُعدّ الإنسان، والعمل المجتمعي يضمن أن يصل الأثر فعلاً إلى الناس. ومن دون هذا التكامل، يبقى التأثير محدوداً. أما عندما تتناغم هذه العناصر الثلاثة، فسنرى أثراً ملموساً في صورة برامج تمكين للشباب، ومبادرات تدعم استقرار الأسرة، وفرص عمل تواكب اقتصاد المستقبل. إن الأثر الحقيقي يحدث؛ عندما يشعر الفرد بأن المنظومة بأكملها تعمل من أجله، وأن هناك مَنْ يفكر في احتياجاته الحقيقية، وليس في الأرقام والمؤشرات فقط.
عندما تنظرين إلى المستقبل.. ما الأثر الذي تريدين تركه في مسيرة التعليم بالإمارات؟
أن أكون جزءاً من منظومة تعليمية، تُخرّج جيلاً يقود المستقبل، وليس يواكبه فقط. كما أطمح إلى ترك أثر يربط التعليم بالمجتمع، ويفتح الطريق للأجيال القادمة، لتواصل المسيرة بثقة، وقدرة على التأثير.