«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» يحتفي بالخليل بن أحمد الفراهيدي
#فعاليات
زهرة الخليج اليوم
في خطوة تُعيد واحداً من أبرز رواد اللغة العربية إلى واجهة المشهد الثقافي.. اختار «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» العالم اللغوي العربي البارز الخليل بن أحمد الفراهيدي «شخصيةً محوريةً» في دورته الخامسة والثلاثين، التي تقام من 13، إلى 18 سبتمبر 2026، في «مركز أدنيك أبوظبي»، بتنظيم «مركز أبوظبي للغة العربية»، التابع لـ«دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي»، رافعاً شعار «لنقلبَ الصفحة.. ونقرأَ العالم».
-
«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» يحتفي بالخليل بن أحمد الفراهيدي
ولا يبدو الاختيار مجرد احتفاء بعالم ترك أثراً عميقاً في تاريخ العربية، بقدر ما يفتح باباً لإعادة قراءة منجزه في ضوء أسئلة الحاضر، خصوصاً مع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي، والحوسبة اللغوية، وتحليل البيانات والنصوص.
فالفراهيدي ينتمي إلى تلك الشخصيات، التي لم تكتفِ باستخدام اللغة، بل حاولت فهم بنيتها الداخلية، وتنظيمها. ويظهر ذلك بوضوح في كتاب «العين»، أول معجم عربي مرتب وفق نظام صوتي، وفي تأسيسه علم العروض، الذي منح أوزان الشعر العربي إطاراً علمياً، يمكن تحليله، وضبطه، وفق قواعد محددة.
وتكشف هذه الإنجازات طريقة تفكير سبقت زمنها، فقد تعامل الفراهيدي مع اللغة؛ باعتبارها نظاماً مترابطاً، يمكن تفكيكه، وتصنيفه، والكشف عن العلاقات بين عناصره؛ لهذا يكتسب إرثه، اليوم، بُعداً مختلفاً، في وقت تعتمد فيه التقنيات الحديثة على عمليات قريبة في جوهرها، من تنظيم البيانات، إلى تحليل الوحدات اللغوية، وبناء الأنظمة القادرة على التعامل مع النصوص.
ولا تعني هذه المقارنة أن أدوات الفراهيدي تشبه تقنيات العصر الحديث، بل إن القيمة تكمن في المنهج نفسه، أي البحث عن النظام داخل اللغة، وتحويل الملاحظة إلى قواعد، ثم بناء معرفة يمكن تطويرها، والاعتماد عليها.
ومن هنا، يصبح استحضار الفراهيدي في «أبوظبي الدولي للكتاب» فرصة للنظر إلى التراث العربي؛ باعتباره مورداً معرفياً قابلاً لإعادة الاكتشاف، وليس كصفحات تنتمي إلى الماضي فقط؛ فمستقبل العربية، في البيئة الرقمية، لا ينفصل عن فهم بنيتها، وما راكمه علماؤها من محاولات مبكرة؛ لتحليلها، وتنظيمها.
-
«معرض أبوظبي الدولي للكتاب» يحتفي بالخليل بن أحمد الفراهيدي
يأتي هذا التوجه ضمن مشروع أوسع لـ«مركز أبوظبي للغة العربية»، الذي لا يتعامل مع «الشخصية المحورية»؛ باعتبارها اسماً للتكريم فقط، وإنما كمدخل لإعادة تقديم أعلام الفكر والمعرفة إلى الأجيال الجديدة، وربط منجزهم بالقضايا التي تشغل الحاضر.
وقد سبق للمعرض أن احتفى بشخصيات تركت أثراً في مجالات مختلفة، من بينها: المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وابن خلدون، ونجيب محفوظ، وابن سينا، في نهج يسعى إلى جعل التجربة التاريخية مساحة للحوار حول الثقافة، والإنسان، والمستقبل.
كما ينسجم اختيار الفراهيدي مع اهتمام «المركز» بتعزيز حضور اللغة العربية في البيئة الرقمية، ودعم النشر، والصناعات الإبداعية، وربط «العربية» بالابتكار، والمعرفة المعاصرة، وهي أهداف تجعل العودة إلى رواد اللغة جزءاً من التفكير في أدواتها المستقبلية.
وتتجاوز رسالة الاختيار الباحثين والمتخصصين في اللغة؛ لتصل إلى المبرمجين، والناشرين، وصناع المحتوى، والطلاب؛ إذ تذكّرهم بأن تطوير العربية لا يبدأ من التقنيات الحديثة وحدها، بل من فهم عميق لطبيعتها، ثم توظيف هذا الفهم في إنتاج معرفة وأدوات جديدة.
وبهذا الحضور، يعود الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى المشهد لا بوصفه عالماً عاش قبل أكثر من 12 قرناً فحسب، بل كنموذج لعقل بحث عن القاعدة وراء اللغة، وعن النظام وراء التفاصيل. وربما تكمن أهمية استعادته، اليوم تحديداً، في أن السؤال الذي شغله قديماً لا يزال مطروحاً بصِيَغ جديدة: كيف نفهم اللغة بعمق، ثم نبني على هذا الفهم مستقبلاً أكثر قدرة على الابتكار؟!