د. شما محمد خالد آل نهيان تكتب: «القوة الهادئة» في البيت الإماراتي!
#مقالات رأي
د. شما محمد بن خالد آل نهيان اليوم
«القوة الهادئة» هي تلك التي تدير تفاصيل البيت الإماراتي، وتحفظ توازن الأسرة دون ضجيج؛ وتقف في قلب البيت بعاطفتها، ووعيها؛ لتمنح الأبناء الأمان، وتتابع شؤونهم، وترى ما لا يقولونه، وتُعيد ترتيب الحياة؛ كلما أصابها الارتباك.. إنها «الأم الإماراتية»!
في المجتمع الإماراتي، حديثاً، اتسعت أدوار الأم، وتضاعفت مسؤولياتها؛ فهي تتابع تعليم الأبناء، وصحتهم، وعلاقاتهم، وتدير شؤون البيت، وإلى جانب كل ذلك تجمع بين حياتها المهنية، ومشاركتها المجتمعية. تبدأ الأم يومها مبكراً، وتتنقل بين مهامها المتزايدة، التي قد تبدو أحياناً مهام صغيرة، لكنها حين تتراصُّ بجوار بعضها؛ تصبح أساساً قوياً لبنية الاستقرار في البيت. فعلى سبيل المثال، موعد المدرسة، ووجبة الطعام، والواجبات المدرسية، وزيارة الطبيب، والتواصل مع المعلمين، والإنصات إلى الطفل عند عودته من المدرسة، وتفاصيل غيرها، قد تبدو لحظاتٍ عابرةً، لكنها - في حقيقتها - خيوط دقيقة، تنسج بها الأم حياة الأسرة، وتفاصيل البيت.
قوة الأم تكمن في قدرتها على الجمع بين: الحنان والحزم، وبين القرب والحفاظ على مساحة خاصة للأبناء، إنها تدرك جيداً متى تتدخل وتناقش، ومتى تكتفي بالاستماع والمتابعة من خلف الكواليس، ومتى تضع الحدود، ومتى تترك المساحة الكاملة للأبناء؛ ليتعلموا، وليكتسبوا الخبرات من تجاربهم الذاتية؛ فمن هذا التوازن يتعلم الأبناء معنى المسؤولية، والاحترام، والرحمة، والتعبير عن أفكارهم، ومشاعرهم.
ومع تسارع وتيرة الحياة، وسيطرة شبكات التواصل الاجتماعي، وتطور الذكاء الاصطناعي.. أصبحت مهمة الأم أكثر تعقيداً؛ فلم تعد متابعة أين يذهب الأبناء مهمة الأم الرئيسية، فقد صارت متابعة حساباتهم على الإنترنت، وما يشاهدونه، والأفكار التي تصل إليهم ويتأثرون بها، وكيفية تفاعلهم مع الفضاء الرقمي، المهام الأكثر تعقيداً، وأهمية للأم. لذلك، تعيش الأم، حالياً، دور المربية، والمرشدة، والمستشارة، ومديرة الوقت، والأهم أن دورها كحارسة للقيم صار أكثر صعوبة، ودقة.
وهنا، يجب ألا نقع في فخ نظرتنا إلى الأم على أنها المرأة التي لا تتعبُ، ولا تَكِلُّ، ولا تَمَلُّ، فالأم تصنع الأمان لجميع مَنْ في البيت، وأمام ذلك تضحي براحتها الشخصية، وحين تهتم بمشاعر الأبناء قد تخفي - تحت هذا الاهتمام - إرهاقاً نفسياً قاسياً، لذلك يجب أن ننصفها، ونعطيها الحق في الراحة، والتعبير عن إرهاقها النفسي، والبدني، دون لوم!
لابد أن ندرك أن دعم الأم استثمار في استقرار الأسرة، وصحة الأبناء، وتماسك المجتمع. فالمحافظة على الاستقرار النفسي للأم لا تخصها وحدها، بل تخص كل مَنْ في البيت، وتنعكس على علاقاتها المختلفة، وحوارها، وتعاطيها مع كل مفردات البيت، وتزيد مستوى الاستقرار، والصحة النفسية، لكل أعضاء الأسرة.
وقد لا يرى الأبناء ما تفعله الأمهات، ويرون فقط النتائج، كاستقرار البيت، وحدوث كل الأمور كما يجب، وفي موعدها. لكنهم حين يكبرون، ويصبحون آباء وأمهات، سيدركون أن هذا الاستقرار هو أثر امرأة حولت التعب إلى طمأنينة، والفوضى إلى نظام، والبيت إلى مكان آمن، يظل حنين العودة إليه حياً في القلوب.. مهما بعدت المسافات!
الأم الإماراتية، اليوم، تجمع بين: بيتها، وعملها، ومجتمعها، وتتمسك بقيمها الموروثة، منفتحة على العصر، والحداثة، والتكنولوجيا، وقوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على تحقيق هذا التوازن.. حتى النهاية!
في الختام.. لابد للأسرة أن تعي تلك الحقائق عن الأم، وتمنحها التقدير الكافي؛ لتزيل عنها التعب، والإرهاق، وتزرع الابتسامة من أجل أن تبقى الأم «عمود الخيمة»، الذي يُبقي الأسرة الإماراتية قوية، وقادرة على بناء أجيال، تحمل أمانة الوطن في المستقبل.