رؤى المدني: الرسم الصادق تقوده المشاعر
#ملهمون
ياسمين العطار الأحد 1 نوفمبر 16:00
ترسم الفنانة الإماراتية، رؤى المدني، مسارها الإبداعي عبر أعمال تقوم على التأمل، حيث تتقاطع الطبيعة مع الإنسان، ويتحوّل الجمال إلى مساحة للوعي والسؤال. فمن الحيوانات والطيور إلى الوجوه البشرية، ومن التفاصيل الدقيقة إلى المعاني الأعمق، تبحث الفنانة الإماراتية، في أعمالها، عمّا لا يظهر مباشرةً خلف الملامح، والأشكال.. في هذا الحوار مع «زهرة الخليج»، تتحدث رؤى المدني عن بداياتها الفنية، والتحولات التي شكّلت تجربتها، وكيف أصبح الفن لديها وسيلة لفهم الذات والعالم، وحاملاً لرسالة بيئية وإنسانية، تتقدّم بهدوء وصدق:
-
رؤى المدني: الرسم الصادق تقوده المشاعر
حدثينا عن بداية علاقتك بالفن، وإدراكك أنه أكثر من مجرد شغف!
بدأت رحلتي مع الفن خلال دراستي الجامعية، حيث اكتشفت شغفي الحقيقي بالرسم، وتعلّمت أساسياته الأولى. لقد انجذبت، كثيراً، إلى الرسم الزيتي للطبيعة، والحياة الطبيعية؛ لأنني كنت أبحث عن الجمال الخالص، والتوازن، ولغة صامتة تشبهني في ذلك الوقت. لكن بالممارسة والتأمل، أدركت أن الفن - بالنسبة لي - لا يمكن أن يبقى في حدود المتعة البصرية. شيئاً فشيئاً، تحوّل الشغف إلى حاجة داخلية للتعبير، ثم إلى وعي بأن اللوحة يمكن أن تحمل رسالة، وأن تكون فعلاً مؤثراً، لا مجرد صورة جميلة.
إيقاظ الحسّ
كيف تحولت أعمالك الفنية من توثيق الجمال، إلى رسالة واعية؟
كان عالم الحيوانات والطيور أول ما جذبني إلى الرسم؛ لما يحمله من تفاصيل دقيقة، وألوان طبيعية آسرة. كنت أرى في كل كائن لوحة فنية متكاملة، تستحق التأمل، وهذا الانجذاب لم يكن جمالياً فقط، بل إنسانياً وبيئياً في الوقت نفسه. ومع كل عمل، بدأت أطرح على نفسي أسئلة أعمق حول علاقتنا بالطبيعة، ومدى وعينا بقيمتها، وما تمثله في حياتنا. فكل لوحة كنت أنهيها، كانت تطرح عليَّ سؤالاً جديداً. ومع الوقت، أدركت أن الفن، الذي لا يحرّك شيئاً بداخلنا يبقى منقوصاً. من هنا، بدأت أتعامل مع اللوحة؛ بوصفها وسيلة لإيقاظ الحسّ، لا لإرضاء العين فقط. اليوم، تحمل أعمالي رسالة بيئية واضحة، لكنها لا تُقدَّم بخطاب مباشر، بل تنبع من التأمل، ومن إعادة التفكير في علاقتنا مع الطبيعة، والحياة من حولنا.
-
رؤى المدني: الرسم الصادق تقوده المشاعر
ما الذي حولكِ من الطبيعة إلى الوجوه البشرية، وماذا يجذبكِ فيها، وكيف توازنين بين الإحساس، والتقنية؟
في بداياتي، كنت أبحث عن الهدوء الذي تمنحه الطبيعة، لكن - بمرور الوقت - اكتشفت أن الإنسان هو الطبيعة الأكثر تعقيداً. وهذا الاكتشاف قادني، تدريجياً، إلى الوجوه البشرية؛ لأنها تفتح أمامي مساحة أوسع؛ للتعبير عن المشاعر غير المرئية، وعن القصص الصامتة المختبئة خلف الملامح. فيما تلفتني الوجوه، التي تحمل أثر تجربة قاسية، أو ملامح تختزن تحدياً طويلاً مع الحياة. ما يجذبني ليس الكمال، بل الصدق الكامن في التعبير، ذلك الأثر الإنساني، الذي لا يمكن اصطناعه. أما التقنية، فهي الأساس الذي أتحرّك معه بثقة، لكنها ليست غاية في حد ذاتها؛ فألتزم بالدقة حين تخدم الفكرة، وأتجاوزها عندما يتطلّب التعبير مساحة أوسع للبَوْح. يبدأ الرسم الصادق، لديَّ، حين أسمح للمشاعر بأن تقود الخطوط؛ فقد أرى الوجه بعيني، لكنني أرسمه بإحساسي، فالعين قد تخطئ، أما الشعور فلا.
-
رؤى المدني: الرسم الصادق تقوده المشاعر
هل هناك محطة مفصلية، شكّلت منعطفاً في مسيرتك؟
نعم، فقد كان معرض «أبوظبي الدولي للصيد والفروسية» نقطة تحول حاسمة في مسيرتي؛ لقد كان المكان الذي اتخذت فيه قرار الخروج عن السائد في رسم الصقور والخيول بجمالها الكلاسيكي، وطَرَحَ سؤالاً مختلفاً، هو: ماذا عن الكائنات الأخرى؟.. بدأت برسم تمساح، ولاحظت كيف تحوّل تفاعل الجمهور من الدهشة إلى التأمل. وشعرت، حينها، بأنني أعيد تقديم هذا الكائن «المفترس» من منظور فني جديد، مختلف ومؤثر في الوقت نفسه. هذا إلى جانب خدمة رسالتي في الحفاظ على التوازن البيئي.
تأثير أعمق
ما أثر المنصات الرقمية، وتفاعل الجمهور، في تجربتك الفنية؟
المنصات الرقمية، خاصة «إنستغرام»، كسرت الحواجز بين الفنان والجمهور، وجعلت العلاقة أكثر إنسانية، إذ أصبح المتلقي شريكاً في الرحلة، فيرى العمل خلال مراحله الأولى، ويتابع الشك والتجربة قبل الاكتمال. بعد أكثر من 25 معرضاً حول العالم، لاحظت أن الجمهور المحلي يتفاعل بعاطفة وانتماء، بينما يقترب الجمهور العالمي من العمل من زاوية فلسفية أوسع، وكلاهما مهم، ويكمل الآخر؛ ما يمنح العمل حياة أطول، وتأثيراً أعمق.
-
رؤى المدني: الرسم الصادق تقوده المشاعر
اليوم.. كيف ترين الحضور الفني للمرأة الإماراتية، وما الذي تطمحين إلى تقديمه مستقبلاً؟
حضور الإماراتية قوي، وواعٍ، ومتزن؛ فلم تعد الفنانة الإماراتية في موقع التلقي، بل تحاور وتشارك وتؤثر، وتقدّم خطاباً فنياً ناضجاً على الساحة العالمية. أما، بالنسبة لي، فأعمل على مشاريع تجمع بين الرسم والمواد العضوية، وبين الإنسان والطبيعة، بهدف مواصلة تقديم أعمال تطرح أسئلة، ولا تمنح إجابات جاهزة، وتفتح مساحة أعمق للتأمل، والفهم.