أول ملحنة سودانية أسماء حمزة.. رحيل الطائر النيلي

لاما عزت / 2018-05-31T12:04:53Z / Published in مجتمعك
أول ملحنة سودانية أسماء حمزة.. رحيل الطائر النيلي

الأسبوع الماضي عرف رحيل أول ملحنة سودانية، أسماء حمزة، التي طرقت أبواب التلحين صدفة لعلة في حلقها حرمتها الغناء الذي تعشق ليهديها والدها «عوداً» أحسنت العمل عليه، لتنتقل تالياً إلى مجال التلحين، فاتحة الدرب أمام السودانيات لتجريب ما كان شبه محرم...

الأسبوع الماضي عرف رحيل أول ملحنة سودانية، أسماء حمزة، التي طرقت أبواب التلحين صدفة لعلة في حلقها حرمتها الغناء الذي تعشق ليهديها والدها «عوداً» أحسنت العمل عليه، لتنتقل تالياً إلى مجال التلحين، فاتحة الدرب أمام السودانيات لتجريب ما كان شبه محرم اجتماعياً آنذاك. ولدت أسماء حمزة في «حلفاية الملوك»، شمال العاصمة السودانية، في 1936، ودرست في المدرسة الإنجيلية في الخرطوم بحري، على عهد الاستعمار البريطاني، وما بين «حلفاية الملوك» البلدة الصغيرة المترعة بالفنون والآداب، والمدرسة الإنجيلية ذات الطابع الأكثر انفتاحاً، تشربت أسماء روح الفنون، وراحت تبحث عن ذاتها، لكن علة في الصوت حالت دون احترافها الغناء مثل «عائشة الفلاتية» و«فاطمة الحاج»، وهما أبرز فنانتين سودانيتين استحوذتا على أسماع السودانيين في وقت كان ينظر فيه المجتمع إلى فن الغناء بشكل «دوني» ولا سيما النساء. عرضت أسماء عن حلمها في الغناء لتجيد عزف «العود» ثم لتتحول إلى محاولة التلحين. وضعت أسماء أول ألحانها في 1957 ولما تتجاوز العشرين من العمر بكثير، وهو «يا عيوني» من ديوان الشاعر المصري علي محمود طه (المهندس) «ليالي الملاح التائه»، غير أن اللحن الذي حملها على أجنحة الشهرة هو «الزمن الطيب» للشاعر السوداني سيف الدين الدسوقي، وغنته الفنانة السودانية سمية حسن، على أن عدداً من كبار الفنانين السودانيين غنوا من ألحانها ومن بينهم: عبد الكريم الكابلي، عماد أحمد الطيب، محمد ميرغني، وعابدة الشيخ، تبعاً لإفاداتها الصحافية. أسماء تشير في حوار صحافي إلى أنها ليست واثقة بما إذا كانت هي أول ملحنة في العالم العربي وأفريقيا إلى جانب السودان أم لا، وتشكك في المعلومة لافتة إلى أن مصريتين وسورية سبقنها في التلحين، إنما لم يمضين طويلاً في هذا الطريق، ربما للحساسية «الذكورية» حسب رأيها. اللافت في مسيرة أسماء أنها عملت لـ13 عاماً في «سلاح الموسيقى» التابع للجيش السوداني، في بيئة كانت ذكورية خالصة آنذاك. لكن، الجرأة والثقة بالنفس والرغبة في تقديم كل ما لديها هي صفات طبعت مسيرتها، وجعلتها تكسر الكثير من القوانين المجتمعية «الهشة» لتصبح «أيقونة» سودانية وعربية وأفريقية، بل ومن الرائدات في هذا المجال حول العالم. أسماء تقول إن ألحانها جياشة بالعاطفة، ولا تنكر أنها تبكي حين تلحن، لكنها كانت شحيحة الظهور في وسائل الإعلام، تكتفي بتقديم أعمالها، ثم تعود لأسرتها في «حلفاية الملوك» بعيداً عن ضجيج الخرطوم وأضوائها. أسماء ظهرت في وقت كان يتسيد المشهد الغنائي والتلحيني في السودان عمالقة الفن في هذا البلد: إبراهيم الكاشف، عائشة الفلاتية، كرومة، سرور، خليل فرح، محمد وردي، عبد الكريم الكابلي، محمد الأمين، عبد العزيز محمد داؤود، فاطمة الحاج، عثمان الشفيع، وغيرهم، وهي تمكنت من دخول نادٍ «عصي» للغاية نتيجة صعوبة الذائقة السودانية ذاتها وانتقائيتها إلى حد كبير، واستطاعت أن ترسخ قدميها كملحنة بارعة، مشبعة بالثراء الموسيقي والتنوع في السودان، من أغنية «أم درمان» الحديثة إلى فولكلور المردوم والنوبة والبجا والتم تُم وغيرها من الإيقاعات التي يغلب عليها «السلم الخماسي» الذي يغطي أجزاءً واسعة من السودان وثقافة شعبه و«المزاج العام». لأسماء أكثر من 90 لحناً، وتتلمذ على يديها في عزف العود عدد من كبار الملحنين، على رأسهم بشير عباس، الذي رافق مجموعة «البلابل» الغنائية السودانية غالب مشوارهن. وهي لا تغفل الإشارة إلى أنها من جانبها تأثرت بالفن المصري، وخاصة عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وشادية. رحلت أسماء حمزة بشير، بعد رحلة فنية طويلة، كانت بدايتها مشياً على الجمر، لكنها بالشغف الهائل، الذي أترع روحها تجاه الفن، تغلبت على كل شيء جابهها، لتضع اسمها إلى جوار أسماء كبار الفنانين السودانيين، ولتحفره بإزميل من نور على صفحة التاريخ كأول سودانية تقتحم مجال التلحين بهذا الشكل الاحترافي، ولتشرع الباب أمام الكثيرات من السودانيات ليمشين على منوالها.