الفضاء وبَعْد

د. عائشة بنت بطي بن بشر  |   17 سبتمبر 2018

الإنجازات سُلوك يومي يُشرق مع الشمس في دولتنا، ولكن معنَى الإنجاز وشكله تَغيّرا بشكل جَذري مؤخّراً، بإعلان سَبَق اختيار رائدَي فضاء إماراتيّين ليكونا أوّل رائدي فضاء عربيَّيْن يلتحقان بمُهمّة إلى محطة الفضاء الدولية. وتَميُّز الشابين هزاع علي عبدان خلفان المنصوري، وسلطان سيف مفتاح حمد النيادي، ليس مُجرّد كونهما أوّل رائدَي فضاء عرَب، ولكن لأنهما سُفراء لنخبة النّخبة من بين 4 آلاف شاب وشابة تَقدّموا من برنامج الإمارات لروّاد الفضاء، ولأن هذه الخطوة من قيادتنا الحكيمة غيّرت مَوازين استثمار الكفاءات الوطنيّة بلا رَجْعة.
وحتى وقت قريب جرت العادة على أن يُطل علينا مُحللٌ أو خبير في مجال الموارد البشرية، ليتحدّث عمّا يستطيع المواطنون الالتحاق به من وظائف وما يُناسبهم وما لا يناسبهم وأسباب العزوف عن قطاع دون آخر، وأمّا اليوم بهذا الإنجاز الذي تجاوز الأرض بما رحبَت، وضعت قيادتنا الحكيمة مَساراً جديداً كلّياً لطريقة النظر إلى الكفاءات المواطنة وقُدراتها في القطاعين العام والخاص من جهة، وطريقة نظر المواطنين أنفسهم لقُدراتهم من جهة أخرى، وكما قدّم لكافة الشباب العرب والدول العربية مثالاً يُحتذَى، يُدلّل على أن الفضاء ليس حِكْراً على أحد، وحُدوده التصميم والإرادة.
كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي (رعاه الله)، وخاصة هذه العبارة: «هزاع وسلطان يُمثّلان مرحلة جديدة لشباب الإمارات.. ويَرْفعان سَقْف طُموحات أجيال جديدة بَعْدهُما»، هي حكمة وتوجيه في الوقت ذاته إلى كل مَن يعمل على ملفّات التوطين واستثمار الكفاءات الشابة في منطقتنا، وحتى إلى الشباب أنفسهم، فخطط التوطين التي كانت صالحة للمرحلة السابقة لن تكون كافية وفعّالة لتلبية احتياجات المستقبل، والمطلوب ليس هَدْم ما بَنيْناهُ من خطط، ولكن أن يكون الأساس الاستراتيجي الذي تستند إليه النسخة المطوّرة من هذه الخطط، هو ما اختصرته مَقولة صاحب السمو: «الإنسان العربي يستطيع إذا توفّرت له الظروف»، ويجب أن نضع ثلاثة خطوط على كلمة يستطيع ونُبْقِيها نُصُب أعيننا.
الحل يَكمُن في أن نتوقف في المنطقة العربية عن استخدام تصنيفات الدول النامية والدول المتقدّمة، خلال تقييمنا لطمُوحات الشباب وأحلامهم ونجعلها مقبرة الطموح، وألّا نُعطي الأفكار تصنيفات تقتلها في مَهْدها، وأن نؤمن بأن شبابنا قادرون على تحقيق ما يحلمون به، وأن ما يحتاجون إليه الإيمان بقُدراتهم وتقديم الموارد اللازمة إليهم، فلا نحكم على حلْم بالفشل لمجرّد أنه لم يتم تنفيذه في المنطقة مُسبقاً.
والطّرَف الأهمّ في المعادلة هُم الشباب الذين يجب ألّا يكتفوا بأي قوالب مهنيّة تُفرَض عليهم، وأن يؤمنوا بقُدارتهم وإمكانية تحقيق أحلامهم بالمثابرة، وألّا يسمحوا لأي شخص كان أن يُحجّمهم. وقد أثبتت الإمارات أنّ الفضاء ليس خط نهاية، ولكن بداية أفضّل أن نبدأها بعبارة (الفضاء وبَعْد) بدلاً مِنْ (تَحِيّة وبَعْد!).